فخر الدين الرازي
131
تفسير الرازي
المسألة الرابعة : اللام في قوله : * ( لربك ) * فيها فوائد الفائدة الأولى : هذه اللام للصلاة كالروح للبدن ، فكما أن البدن من الفرق إلى القدم ، إنما يكون حسناً ممدوحاً إذا كان فيه روح أما إذا كان ميتاً فيكون مرمياً ، كذا الصلاة والركوع والسجود ، وإن حسنت في الصورة وطالت ، لو لم يكن فيها لام لربك كانت ميتة مرمية ، والمراد من قوله تعالى لموسى : * ( وأقم الصلاة لذكرى ) * وقيل : إنه كانت صلاتهم ونحرهم للصنم فقيل له : لتكن صلاتك ونحرك لله . الفائدة الثانية : كأنه تعالى يقول : ذكر في السورة المتقدمة أنهم كانوا يصلون للمراءاة فصل أنت لا للرياء لكن على سبيل الإخلاص . المسألة الخامسة : الفاء في قوله : * ( فصل ) * تفيد سببية أمرين أحدهما : سببية العبادة كأنه قيل : تكثير الإنعام عليك يوجب عليك الاشتغال بالعبودية والثاني : سببية ترك المبالاة كأنهم لما قالوا له : إنك أبتر فقيل له : كما أنعمنا عليك بهذه النعم الكثيرة ، فاشتغل أنت بطاعتك ولا تبال بقولهم وهذيانهم . واعلم أنه لما كانت النعم الكثيرة محبوبة ولازم المحبوب محبوب ، والفاء في قوله : * ( فصل ) * اقتضت كون الصلاة من لوازم تلك النعم ، لا جرم صارت الصلاة أحب الأشياء للنبي عليه الصلاة والسلام فقال : " وجعلت قرة عيني في الصلاة " ولقد صلى حتى تورمت قدماه ، فقيل له : أوليس قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ فقال : " أفلا أكون عبداً شكوراً " فقوله : " أفلا أكون عبداً شكوراً " إشارة إلى أنه يجب على الاشتغال بالطاعة بمقتضى الفاء في قوله : * ( فصل ) * . المسألة السادسة : كان الأليق في الظاهر أن يقول : إن أعطيناك الكوثر ، فصل لنا وانحر . لكنه ترك ذلك إلى قوله : * ( فصل لربك ) * لفوائد إحداها : أن وروده على طريق الالتفات من أمهات أبواب الفصاحة وثانيها : أن صرف الكلام من المضمر إلى المظهر يوجب نوع عظمة ومهابة ، ومنه قول الخلفاء لمن يخاطبونهم : يأمرك أمير المؤمنين ، وينهاك أمير المؤمنين وثالثها : أن قوله : * ( إنا أعطيناك ) * ليس في صريح لفظه أن هذا القائل هو الله أو غيره ، وأيضاً كلمة إنا تحتمل الجمع كما تحتمل الواحد المعظم نفسه ، فلو قال : صل لنا ، لنفي ذلك الاحتمال وهو أنه ما كان يعرف أن هذه الصلاة لله وحده أم له ولغيره على سبيل التشريك ، فلهذا ترك اللفظ ، وقال : * ( فصل لربك ) * ليكون ذلك إزالة لذلك الاحتمال وتصريحاً بالتوحيد في الطاعة والعمل لله تعالى . المسألة السابعة : قوله : * ( فصل لربك ) * أبلغ من قوله : فصل لله لأن لفظ الرب يفيد التربية المتقدمة المشار إليها بقوله : * ( إنا أعطيناك الكوثر ) * ويفيد الوعد الجميل في المستقبل أنه يربيه ولا يتركه . المسألة الثامنة : في الآية سؤالان : أحدهما : أن المذكور عقب الصلاة هو الزكاة ، فلم كان المذكور ههنا هو النحر ؟ والثاني : لما لم يقل : ضحي حتى يشمل جميع أنواع