فخر الدين الرازي
106
تفسير الرازي
وسيرهم وجميع أحوالهم ، ثم خص إيلاف الرحلتين بالذكر لسبب أنه قوام معاشهم كما في قوله : * ( وجبريل وميكائيل ) * وفائدة ترك واو العطف التنبيه على أنه كل النعمة ، تقول العرب : ألفت كذا أي لزمته ، والإلزام ضربان إلزام بالتكليف والأمر ، وإلزام بالمودة والمؤانسة فإنه إذا أحب المرء شيئاً لزمه ، ومنه : * ( ألزمهم كلمة التقوى ) * كما أن الإلجاء ضربان أحدهما : لدفع الضرر كالهرب من السبع والثاني : لطلب النفع العظيم ، كمن يجد مالاً عظيماً ولا مانع من أخذه لا عقلاً ولا شرعاً ولا حساً فإنه يكون كالملجأ إلى الأخذ ، وكذا الدواعي التي تكون دون الالجاء ، مرة تكون لدفع الضرر وأخرى لجلب النفع ، وهو المراد في قوله : * ( إيلافهم ) * . المسألة الرابعة : اتفقوا على أن قريشاً ولد النضر بن كنانة ، قال عليه الصلاة والسلام : " إنا بني النضر بن كنانة لأنفقوا أمناً ولا ننتفي من أبينا " وذكروا في سبب هذه التسمية وجوهاً أحدها : أنه تصغير القرش وهو دابة عظيمة في البحر تعبث بالسفن ، ولا تنطلق إلا بالنار وعن معاوية أنه سأل ابن عباس : بم سميت قريش ؟ قال : بدابة في البحر تأكل ولا تؤكل ، تعلو ولا تعلى ، وأنشد : وقريش هي التي تسكن البحر بها سميت قريش قريشاً والتصغير للتعظيم ، ومعلوم أن قريشاً موصوفون بهذه الصفات لأنها تلي أمر الأمة ، فإن الأئمة من قريش وثانيها : أنه مأخوذ من القرش وهو الكسب لأنهم كانوا كاسبين بتجاراتهم وضربهم في البلاد وثالثها : قال الليث : كانوا متفرقين في غير الحرم ، فجمعهم قصي بن كلاب في الحرم حتى اتخذوها مسكناً ، فسموا قريشاً لأن التقرش هو التجمع ، يقال : تقرش القوم إذا اجتمعوا ، ولذلك سمي قصي مجمعاً ، قال الشاعر : أبو كم قصي كان يدعى مجمعاً به جمع الله القبائل من فهر ورابعها : أنهم كانوا يسدون خلة محاويج الحاج ، فسموا بذلك قريشاً ، لأن القرش التفتيش قال ابن حرة : أيها الشامت المقرش عنا عند عمرو وهل لذاك بقاء * ( إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَآءِ وَالصَّيْفِ ) * . قوله تعالى : * ( رحلة الشتاء والصيف ) * فيه مسائل : المسألة الأولى : قال الليث : الرحلة اسم الارتحال من القول للمسير ، وفي المراد من هذه الرحلة قولان : الأول : وهو المشهور ، قال المفسرون : كانت لقريش رحلتان رحلة بالشتاء إلى اليمن لأن اليمن أدفأ وبالصيف إلى الشأم ، وذكر عطاء عن ابن عباس أن السبب في ذلك هو أن قريشاً إذا أصاب واحداً منهم مخمصة خرج هو وعياله إلى موضع وضربوا على أنفس خباء حتى يموتوا ،