فخر الدين الرازي
90
تفسير الرازي
كذلك أما الاحتمال الأول : فهو ما روي أن المسلمين من أهل المدينة وهم الأوس والخزرج كانوا كذلك ، وحين ورد النبي صلى الله عليه وسلم كان ذلك شائعاً فيهم ، وكانوا مصدقين بالبعث والنشور ، فلا جرم ذكروا به ، وأما إن قلنا : بأن المخاطبين بهذه الآية ما كانوا مؤمنين بالبعث إلا أنهم كانوا متمكنين من الاستدلال عليه ، لما في العقول من إيصال الجزاء إلى المحسن والمسئ ، أو إمكان ذلك إن لم يثبت وجوبه ، وهذا مما يجوز أن يخاطب به من ينكر البعث ، والمعنى ألا يتفكرون حتى يعلموا أنهم مبعوثون ، لكنهم قد أعرضوا عن التفكر ، وأراحوا أنفسهم عن متاعبه ومشاقه ، وإنما يجعل العلم الاستدلال ظناً ، لأن أكثر العلوم الاستدلالية راجع إلى الأغلب في الرأي ، ولم يكن كالشك الذي يعتدل الوجهان فيه لا جرم سمي ذلك ظناً القول الثاني : أن المراد من الظن ههنا هو الظن نفسه لا العلم ، ويكون المعنى أن هؤلاء المطففين هب أنهم لا يجزمون بالبعث ولكن لا أقل من الظن ، فإن الأليق بحكمة الله ورحمته ورعايته مصالح خلقه أن لا يهمل أمرهم بعد الموت بالكلية ، وأن يكون لهم حشر ونشر ، وأن هذا الظن كاف في حصول الخوف ، كأنه سبحانه وتعالى يقول : هب أن هؤلاء لا يقطعون به أفلا يظنونه أيضاً ، فأما قوله تعالى : * ( يوم يقوم الناس لرب العالمين ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : قرىء * ( يوم ) * بالنصب والجر ، أما النصب فقال الزجاج : يوم منصوب بقوله * ( مبعوثون ) * والمعنى ألا يظنون أنهم يبعثون يوم القيامة ، وقال الفراء : وقد يكون في موضع خفض إلا أنه أضيف إلى يفعل فنصب ، وهذا كما ذكرنا في قوله : * ( يوم لا تملك ) * وأما الجر فلكونه بدلاً من * ( يوم عظيم ) * . المسألة الثانية : هذا القيام له صفات : الصفة الأولى : سببه وفيه وجوه أحدها : وهو الأصح أن الناس يقومون لمحاسبة رب العالمين ، فيظهر هناك هذا التطفيف الذي يظن أنه حقير ، فيعرف هناك كثرته واجتماعه ، ويقرب منه قوله تعالى : * ( ولمن خاف مقام ربه جنتان ) * ( الرحمن : 46 ) وثانيها : أنه سبحانه يرد الأرواح إلى أجسادها فتقوم تلك الأجساد من مراقدها ، فذاك هو المراد من قوله : * ( يوم يقوم الناس لرب العالمين ) * وثالثها : قال أبو مسلم معنى : * ( يقوم الناس ) * هو كقوله : * ( وقوموا لله قانتين ) * ( البقرة : 238 ) أي لعبادته فقوله : * ( يقوم الناس لرب العالمين ) * أي لمحض أمره وطاعته لا لشيء آخر ، على ما قرره في قوله : * ( والأمر يومئذ لله ) * . الصفة الثانية : كيفية ذلك القيام ، روي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : * ( يوم يقوم الناس لرب العالمين ) * قال : " يقوم أحدكم في رشحه إلى أنصاف أذنيه " وعن ابن عمر : أنه قرأ هذه السورة ، فلما بلغ قوله * ( يوم يقوم الناس لرب العالمين ) * بكى نحيباً حتى عجز عن قراءة ما بعده " .