فخر الدين الرازي
86
تفسير الرازي
المسألة الثانية : الجمهور على أن التكرير في قوله : * ( وما أدراك ما يوم الدين * ثم ما أدراك ما يوم الدين ) * لتعظيم ذلك اليوم ، وقال الجبائي : بل هو لفائدة مجددة ، إذ المراد بالأول أهل النار ، والمراد بالثاني أهل الجنة ، كأنه قال : وما أدراك ما يعامل به الفجار في يوم الدين ؟ ثم ما أدراك ما يعامل به الأبرار في يوم الدين ؟ وكرر يوم الدين تعظيماً لما يفعله تعالى من الأمرين بهذين الفريقين . المسألة الثالثة : في : * ( يوم لا تملك ) * قراءتان الرفع والنصب ، أما الرفع ففيه وجهان أحدهما : على البدل من يوم الدين والثاني : أن يكون بإضمار هو فيكون المعنى هو يوم لا تملك ، وأما النصب ففيه وجوه أحدها : بإضمار يدانون لأن الدين يدل عليه وثانيها : بإضمار اذكروا وثالثها : ما ذكره الزجاج يجوز أن يكون في موضع رفع إلا أنه يبنى على الفتح لإضافته إلى قوله : * ( لا تملك ) * وما أضيف إلى غير المتمكن قد يبنى على الفتح ، وإن كان في موضع رفع أو جر كما قال : لم يمنع الشرب منهم غير أن نطقت * حمامة في غصون ذات أو قال فبنى غير على الفتح لما أضيف إلى قوله إن نطقت ، قال الواحدي : والذي ذكره الزجاج من البناء على الفتح إنما يجوز عند الخليل وسيبويه ، إذا كانت الإضافة إلى الفعل الماضي ، نحو قولك على حين عاتبت ، أما مع الفعل المستقبل ، فلا يجوز البناء عندهم ، ويجوز ذلك في قول الكوفيين ، وقد ذكرنا هذه المسألة عند قوله : * ( هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم ) * ( المائدة : 119 ) ورابعها : ما ذكره أبو علي وهو أن اليوم لما جرا في أكثر الأمر ظرفاً ترك على حالة الأكثرية ، والدليل عليه إجماع القراء والعرب في قوله : * ( منهم الصالحون ومنهم دون ذلك ) * ( الأعراف : 168 ) ولا يرفع ذلك أحد . ومما يقوي النصب قوله : * ( وما أدراك ما القارعة * يوم يكون الناس ) * ( القارعة : 4 , 3 ) وقوله : * ( يسألون أيان يوم الدين ، يوم هم على النار يفتنون ) * ( الذاريات : 13 , 12 ) فالنصب في * ( يوم لا تملك ) * مثل هذا . المسألة الرابعة : تمسكوا في نفي الشفاعة للعصاة بقوله : * ( يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً ) * وهو كقوله تعالى : * ( واتقوا يوماً لا تجزى نفس عن نفس شيئاً ) * ( البقرة : 48 ) والجواب : عنه قد تقدم في سورة البقرة . المسألة الخامسة : أن أهل الدنيا كانوا يتغلبون على الملك ويعين بعضهم بعضاً في أمور ، ويحمي بعضهم بعضاً ، فإذا كان يوم القيامة بطل ملك بنى الدنيا وزالت رياستهم ، فلا يحمي أحد أحداً ، ولا يغني أحد عن أحد ، ولا يتغلب أحد على ملك ، ونظيره قوله : * ( والأمر يومئذ لله ) * وقوله : * ( مالك يوم الدين ) * ( الفاتحة : 4 ) وهو وعيد عظيم من حيث إنه عرفهم أنه لا يغني عنهم إلا البر والطاعة يومئذ دون سائر ما كان قد يغني عنهم في الدنيا من مال وولد وأعوان وشفعاء . قال الواحدي : والمعنى أن الله تعالى لم يملك في ذلك اليوم أحداً شيئاً من الأمور ، كما ملكهم في دار الدنيا . قال الواسطي : في قوله : * ( يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً ) * إشارة إلى فناء غير الله تعالى ، وهناك تذهب الرسالات والكلمات والغايات ، فمن كانت صفته في الدنيا كذلك كانت دنياه أخراه . وأما قوله : * ( والأمر يومئذ لله ) * فهو إشارة إلى أن البقاء والوجود لله ، والأمر كذلك في الأزل وفي اليوم وفي الآخرة ، ولم يتغير من حال إلى حال ، فالتفاوت عائد إلى أحوال الناظر ، لا إلى أحوال المنظور إليه ، فالكاملون لا تتفاوت أحوالهم بحسب تفاوت الأوقات ، كما قال : لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً ، وكحارثة لما أخبر بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " كأني أنظر وكأني وكأني " والله سبحانه وتعالى أعلم ، والحمد لله رب العالمين .