فخر الدين الرازي
73
تفسير الرازي
اللفظ على الظاهر ، فلا أقل من الاحتمال ، وإذا كان الأمر كذلك ثبت أن هذا القرآن يحتمل أن يكون كلام جبريل لا كلام الله ، وبتقدير أن يكون كلام جبريل يخرج عن كونه معجزاً ، لاحتمال أن جبريل ألقاه إلى محمد صلى الله عليه وسلم على سبيل الإضلال ، ولا يمكن أن يجاب عنه بأن جبريل معصوم لا يفعل الإضلال ، لأن العلم بعصمة جبريل ، مستفاد من صدق النبي ، وصدق النبي مفرع على كون القرآن معجزاً ، وكون القرآن معجزاً يتفرع على عصمة جبريل ، فيلزم الدور وهو محال والجواب : الذين قالوا : بأن القرآن إنما كان معجزاً للصرفة ، إنما ذهبوا إلى ذلك المذهب فراراً من هذا السؤال ، لأن الإعجاز على ذلك القول ليس في الفصاحة ، بل في سلب تلك العلوم والدواعي عن القلوب ، وذلك مما لا يقدر عليه أحد إلا الله تعالى . القول الثاني : أن هذا الذي أخبركم به محمد من أمر الساعة على ما ذكر في هذه السورة ليس بكهانة ولا ظن ولا افتعال ، إنما هو قول جبريل أتاه به وحياً من عند الله تعالى ، واعلم أنه تعالى وصف جبريل ههنا بصفات ست أولها : أنه رسول ولا شك أنه رسول الله إلى الأنبياء فهو رسول وجميع الأنبياء أمته ، وهو المراد من قوله : * ( ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده ) * ( النحل : 2 ) وقال : * ( نزل به الروح الأمين * على قلبك ) * ( الشعراء : 194 , 193 ) وثانيها : أنه كريم ، ومن كرمه أنه يعطي أفضل العطايا ، وهو المعرفة والهداية والإرشاد . * ( ذِى قُوَّةٍ عِندَ ذِى الْعَرْشِ مَكِينٍ ) * . وثالثها : قوله : * ( ذي قوة ) * ثم منهم من حمله على الشدة ، روى أنه عليه الصلاة والسلام قال لجبريل " ذكر الله قوتك ، فماذا بلغت ؟ قال رفعت قريات قوم لوط الأربع على قوادم جناحي حتى إذا سمع أهل السماء نباح الكلاب وأصوات الدجاج قلبتها " وذكر مقاتل أن شيطاناً يقال له الأبيض صاحب الأنبياء قصد أن يفتن النبي صلى الله عليه وسلم فدفعه جبريل دفعة رقيقة وقع بها من مكة إلى أقصى الهند ، ومنهم من حمله على القوة في أداء طاعة الله وترك الإخلال بها من أول الخلق إلى آخر زمان التكليف ، وعلى القوة في معرفة الله وفي مطالعة جلال الله . ورابعها : قوله تعالى : * ( عند ذي العرش مكين ) * وهذه العندية ليست عندية المكان ، مثل قوله : * ( ومن عنده لا يستكبرون ) * وليست عندية الجهة بدليل قوله " أنا عند المنكسرة قلوبهم " بل عندية الإكرام والتشريف والتعظيم . وأما * ( مكين ) * فقال الكسائي : يقال قد مكن فلان عند فلان بضم الكاف مكناً ومكانة ، فعلى هذا المكين هو ذو الجاه الذي يعطي ما يسأل . * ( مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ ) * . وخامسها : قوله تعالى : * ( مطاع ثم ) * اعلم أن قوله : * ( ثم ) * إشارة إلى الظرف المذكور أعني * ( عند ذي العرش ) * ( التكوير : 20 ) والمعنى أنه عند الله مطاع في ملائكته المقربين يصدرون عن أمره ويرجعون إلى رأيه ، وقرئ * ( ثم ) * تعظيماً للأمانة وبياناً لأنها أفضل صفاته المعدودة .