فخر الدين الرازي

60

تفسير الرازي

والغرض منه أن من كان أصله ( من ) مثل هذا الشيء الحقير ، فالنكير والتجبر لا يكون لائقاً به . ثم قال : * ( فقدره ) * وفيه وجوه : أحدها قال الفراء : قدره أطواراً نطفة ثم علقة إلى آخر خلقه وذكراً أو أنثى وسعيداً أو شقياً وثانيها : قال الزجاج : المعنى قدره على الاستواء كما قال : * ( أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلاً ) * ( الكهف : 37 ) ، وثالثها : يحتمل أن يكون المراد وقدر كل عضو في الكمية والكيفية بالقدر اللائق بمصلحته ، ونظيره قوله : * ( وخلق كل شيء فقدره تقديراً ) * ( الفرقان : 2 ) . * ( ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ) * . وأما المرتبة الثانية : وهي المرتبة المتوسطة فهي قوله تعالى : * ( ثم السبيل يسره ) * وفيه مسألتان : المسألة الأولى : نصب السبيل بإضمار يسره ، وفسره بيسره . المسألة الثانية : ذكروا في تفسيره أقوالاً أحدها : قال بعضهم : المراد تسهيل خروجه من بطن أمه ، قالوا : إنه كان رأس المولود في بطن أمه من فوق ورجلاه من تحت ، فإذا جاء وقت الخروج انقلب ، فمن الذي أعطاه ذلك الإلهام إلا الله ، ومما يؤكد هذا التأويل أن خروجه حياً من ذلك المنفذ الضيق من أعجب العجائب وثانيها : قال أبو مسلم : المراد من هذه الآية ، هو المراد من قوله : * ( وهديناه النجدين ) * ( البلد : 10 ) فهو يتناول التمييز بين كل خير وشر يتعلق بالدنيا ، وبين كل خير وشر يتعلق بالدين أي جعلناه متمكناً من سلوك سبيل الخير والشر ، والتيسير يدخل فيه الإقدار والتعريف والعقل وبعثة الأنبياء ، وإنزال الكتب وثالثها : أن هذا مخصوص بأمر الدين ، لأن لفظ السبيل مشعر بأن المقصود أحوال الدنيا ( لا ) أمور تحصل في الآخرة . قوله تعالى * ( ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنشَرَهُ * كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ مَآ أَمَرَهُ * فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * ط * ( أَنَّا صَبَبْنَا الْمَآءَ صَبّاً * ثُمَّ شَقَقْنَا الاَْرْضَ شَقّاً * فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً * وَعِنَباً وَقَضْباً * وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً * وَحَدَآئِقَ غُلْباً * وَفَاكِهَةً وَأَبّاً * مَّتَاعاً لَّكُمْ وَلاَِنْعَامِكُمْ * فَإِذَا جَآءَتِ الصَّآخَّةُ * يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهُ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ ) * . وأما المرتبة الثانية : وهي المرتبة الأخيرة ، فهي قوله تعالى : * ( ثم أماته فأقبره ، ثم إذا شاء أنشره ) * . واعلم أن هذه المرتبة الثالثة مشتملة أيضاً على ثلاث مراتب ، الإماتة ، والإقبار ، والإنشار ، أما الإماتة فقد ذكرنا منافعها في هذا الكتاب ، ولا شك أنها هي الواسطة بين حال التكليف والمجازاة ، وأما الإقبار فقال الفراء : جعله الله مقبوراً ولم يجعله ممن يلقى للطير والسباع ، لأن القبر مما أكرم به المسلم قال : ولم يقل فقبره ، لأن القابر هو الدافن بيده ، والمقبر هو الله تعالى ، يقال قبر الميت إذا دفنه وأقبر الميت ، إذا أمر غيره بأن يجعله في القبر ، والعرب تقول : بترت ذنب البعير ، والله أبتره وعضبت قرن الثور ، والله أعضبه ، وطردت فلاناً عني ، والله أطرده . أي صيره طريداً ، وقوله تعالى : * ( ثم إذا شاء أنشره ) * المراد منه الإحياء ( و ) البعث ، وإنما قال : إذا شاء إشعاراً بأن وقته غير معلوم لنا ، فتقديمه وتأخيره موكول إلى مشيئة الله تعالى ، وأما سائر الأحوال