فخر الدين الرازي
6
تفسير الرازي
وهذا من باب تسمية المفعول بالمصدر ، كقولك هذا ضرب الأمير وثانيها : أن تكون الأرض وصفت بهذا المصدر ، كما تقول : زيد جود وكرم وفضل ، كأنه لكماله في تلك الصفة صارعين تلك الصفة وثالثها : أن تكون بمعنى ذات مهاد ، وقرئ مهداً ، ومعناه أن الأرض للخلق كالمهد للصبي ، وهو الذي مهد له فينوم عليه . واعلم أنا ذكرنا في تفسير سورة البقرة عند قوله : * ( جعل لكم الأرض فراشاً ) * ( البقرة : 22 ) كل ما يتعلق من الحقائق بهذه الآية . * ( وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً ) * . وثانيها : قوله تعالى : * ( والجبال أوتاداً ) * أي للأرض ( كي ) لا تميد بأهلها ، فيكمل كون الأرض مهاداً بسبب ذلك قد تقدم أيضاً . * ( وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً ) * . وثالثها : قوله تعالى : * ( وخلقناكم أزواجاً ) * وفيه قولان : الأول : المراد الذكر والأنثى كما قال : * ( وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى ) * ( النجم : 45 ) ، والثاني : أن المراد منه كل زوجين و ( كل ) متقابلين من القبيح والحسن والطويل والقصير وجميع المتقابلات والأضداد ، كما قال : * ( ومن كل شيء خلقنا زوجين ) * ( الذاريات : 49 ) وهذا دليل ظاهر على كمال القدرة ونهاية الحكمة حتى يصح الابتلاء والامتحان ، فيتعبد الفاضل بالشكر والمفضول بالصبر ويتعرف حقيقة كل شيء بضده ، فالإنسان إنما يعرف قدر الشباب عند الشيب ، وإنما يعرف قدر الأمن عند الخوف ، فيكون ذلك أبلغ في تعريف النعم . * ( وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً ) * . ورابعها : قوله تعالى : * ( وجعلنا نومكم سباتاً ) * طعن بعض الملاحدة في هذه الآية فقالوا : السبات هو النوم ، والمعنى : وجعلنا نومكم نوماً ، واعلم أن العلماء ذكروا في التأويل وجوهاً أولها : قال الزجاج : * ( سباتاً ) * موتاً والمسبوت الميت من السبت وهو القطع لأنه مقطوع عن الحركة ودليله أمران أحداهما : قوله تعالى : * ( وهو الذي يتوفاكم بالليل ) * ( الأنعام : 60 ) إلى قوله : * ( ثم يبعثكم ) * ( الأنعام : 60 ) والثاني : أنه لما جعل النوم موتاً جعل اليقظة معاشاً ، أي حياة في قوله : * ( وجعلنا النهار معاشاً ) * ( النبأ : 11 ) وهذا القول عندي ضعيف لأن الأشياء المذكورة في هذه الآية جلائل النعم ، فلا يليق الموت بهذا المكان وأيضاً ليس المراد بكونه موتاً ، أن الروح انقطع عن البدن ، بل المراد منه انقطاع أثر الحواس الظاهرة ، وهذا هو النوم ، ويصير حاصل الكلام إلى : إنا جعلنا نومكم نوماً وثانيها : قال الليث : السبات النوم شبه الغشي يقال سبت المريض فهو مسبوت ، وقال أبو عبيدة : السبات الغشية التي تغشى الإنسان شبه الموت ، وهذا القول أيضاً ضعيف ، لأن الغشي ههنا إن كان النوم فيعود الإشكال ، وإن كان المراد بالسبات شدة ذلك الغشي فهو باطل ، لأنه ليس كل نوم كذلك ولأنه مرض فلا يمكن ذكره في أثناء تعديد النعم وثالثها : أن السبت في أصل اللغة هو القطع يقال سبت الرجل رأسه يسبته سبتاً إذا حلق شعره ، وقال ابن الأعرابي في قوله : * ( سباتاً ) * أي قطعاً