فخر الدين الرازي
57
تفسير الرازي
* ( وَأَمَّا مَن جَآءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى ) * . ثم قال : * ( وأما من جاءك يسعى ) * أن يسرع في طلب الخير ، كقوله : * ( فاسعوا إلى ذكر الله ) * الجمعة : 9 ) . وقوله : * ( وهو يخشى ) * فيه ثلاثة أوجه يخشى الله ويخافه في أن لا يهتم بأداء تكاليفه ، أو يخشى الكفار وأذاهم في إتيانك ، أو يخشى الكبوة فإنه كان أعمى ، وما كان له قائد . * ( فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى ) * . ( ثم قال ) : * ( فأنت عنه تلهى ) * أي تتشاغل من لهى عن الشيء والتهى وتلهى ، وقرأ طلحة بن مصرف . تتلهى ، وقرأ أبو جعفر * ( تلهى ) * أي يلهيك شأن الصناديد ، فإن قيل قوله : * ( فأنت له تصدى . . فأنت عنه تلهى ) * كان فيه اختصاصاً ، قلنا نعم ، ومعناه إنكار التصدي والتلهي عنه ، أي مثلك ، خصوصاً لا ينبغي أن يتصدى للغني ، ويتلهى عن الفقير . * ( كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ ) * . ثم قال : * ( كلا ) * وهو ردع عن المعاتب عليه وعن معاودة مثله . قال الحسن : لما تلا جبريل عن النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآيات عاد وجهه ، كأنما أسف الرماد فيه ينتظر ماذا يحكم الله عليه ، فلما قال : * ( كلا ) * سرى منه ، أي لا تفعل مثل ذلك ، وقد بينا نحن أن ذلك محمول على ترك الأولى . ثم قال : * ( إنها تذكرة ) * وفيه سؤالان : الأول : قوله : * ( إنها ) * ضمير المؤنث ، وقوله : * ( فمن شاء ذكره ) * ( عبس : 12 ) ضمير المذكر ، والضميران عائدان إلى شيء واحد ، فكيف القول فيه ؟ الجواب : وفيه وجهان الأول : أن قوله : * ( إنها ) * ضمير المؤنث ، قال مقاتل : يعني آيات القرآن ، وقال الكلبي : يعني هذه السورة وهو قول الأخفش والضمير في قوله : * ( فمن شاء ذكره ) * عائد إلى التذكرة أيضاً ، لأن التذكرة في معنى الذكر والوعظ الثاني : قال صاحب " النظم " : * ( إنها تذكرة ) * يعني به القرآن والقرآن مذكر إلا أنه لما جعل القرآن تذكرة أخرجه على لفظ التذكرة ، ولو ذكَّره لجاز كما قال في موضع آخر : * ( كلا إنه تذكر ) * ( المدثر : 54 ) والدليل على أن قوله : * ( إنها تذكرة ) * المراد به القرآن قوله : * ( فمن شاء ذكره ) * . السؤال الثاني : كيف اتصال هذه الآية بما قبلها ؟ الجواب : من وجهين الأول : كأنه قيل : هذا التأديب الذي أوحيته إليك وعرفته لك في إجلال الفقراء وعدم الالتفات إلى أهل الدنيا أثبت في اللوح المحفوظ الذي قد وكل بحفظه أكابر الملائكة الثاني : كأنه قيل : هذا القرآن قد بلغ في العظمة إلى هذا الحد العظيم ، فأي حاجة به إلى أن يقبله هؤلاء الكفار ، فسواء قبلوه أو لم يقبلوه فلا تلتفت إليهم ولا تشغل قلبك بهم ، وإياك وأن تعرض عمن آمن به تطييباً لقلب أرباب الدنيا .