فخر الدين الرازي
54
تفسير الرازي
سورة عبس وهي أربعون وآيتان مكية بسم الله الرحمن الرحيم * ( عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَن جَآءَهُ الاَْعْمَى ) * . وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن أم مكتوم - وأم مكتوم أم أبيه واسمه عبد الله بن شريح بن مالك بن ربيعة الفهري من بني عامر بن لؤي - وعنده صناديد قريش عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو جهل بن هشام ، والعباس بن عبد المطلب ، وأمية بن خلف ، والوليد بن المغيرة يدعوهم إلى الإسلام ، رجاء أن يسلم بإسلامهم غيرهم ، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم أقرئني وعلمني مما علمك الله ، وكرر ذلك ، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم قطعه لكلامه ، وعبس وأعرض عنه فنزلت هذه الآية ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرمه ، ويقول : إذا رآه " مرحباً بمن عاتبني فيه ربي " ويقول : هل لك من حاجة ، واستخلفه على المدينة مرتين ، وفي الموضع سؤالات : الأول : أن ابن أم مكتوم كان يستحق التأديب والزجر ، فكيف عاتب الله رسوله على أن أدب ابن أم مكتوم وزجره ؟ وإنما قلنا : إنه كان يستحق التأديب لوجوه أحدها : أنه وإن كان لفقد بصره لا يرى القوم ، لكنه لصحة سمعه كان يسمع مخاطبة الرسول صلى الله عليه وسلم أولئك الكفار ، وكان يسمع أصواتهم أيضاً ، وكان يعرف بواسطة استماع تلك الكلمات شدة اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بشأنهم ، فكان إقدامه على قطع كلام النبي صلى الله عليه وسلم وإلقاء غرض نفسه في البين قبل تمام غرض النبي إيذاء للنبي عليه الصلاة والسلام ، وذلك معصية عظيمة وثانيها : أن الأهم مقدم على المهم ، وهو كان قد أسلم وتعلم ، ما كان يحتاج إليه من أمر الدين ، أما أولئك الكفار فما كانوا قد أسلموا ، وهو إسلامهم سبباً لإسلام جمع عظيم ، فإلقاء ابن أم مكتوم ، ذلك الكلام في البين كالسبب في قطع ذلك الخير العظيم ، لغرض قليل وذلك محرم وثالثها : أنه تعالى قال : * ( إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون ) * ( الحجرات : 4 ) فنهاهم عن مجرد النداء إلا في الوقت ، فههنا هذا النداء الذي صار كالصارف للكفار عن قبول الإيمان وكالقاطع