فخر الدين الرازي

43

تفسير الرازي

المسألة الثانية : ذكر المفسرون في هذه الآية وجوهاً أحدها : أن الآخرة والأولى صفة لكلمتي فرعون إحداهما قوله : * ( ما علمت لكم من إله غيري ) * ( القصص : 38 ) والأخرى قوله : * ( أنا ربكم الأعلى ) * ( النازعات : 24 ) قالوا : وكان بينهما أربعون سنة ، وهذا قول مجاهد والشعبي وسعيد بن جبير ومقاتل ، ورواية عطاء والكلبي عن ابن عباس ، والمقصود التنبيه على أنه ما أخذه بكلمته الأولى في الحال ، بل أمهله أربعين سنة ، فلما ذكر الثانية أخذ بهما ، وهذا تنبيه على أنه تعالى يمهل ولا يهمل الثاني : وهو قول الحسن وقتادة : * ( نكال الآخرة والأولى ) * أي عذبه في الآخرة ، وأغرقه في الدنيا الثالث : الآخرة هي قوله : * ( أنا ربكم الأعلى ) * ( النازعات : 24 ) والأولى هي تكذيبه موسى حين أراه الآية ، قال القفال : وهذا كأنه هو الأظهر ، لأنه تعالى قال : * ( فأراه الآية الكبرى * فكذب وعصى * ثم أدبر يسعى * فحشر فنادى * فقال أنا ربكم الأعلى ) * ( النازعات : 24 , 20 ) فذكر المعصيتين ، ثم قال : * ( فأخذه الله نكال الآخرة والأولى ) * فظهر أن المراد أنه عاتبه على هذين الأمرين . المسألة الثالثة : قال الليث : ( النكال ) اسم لمن جعل نكالاً لعيره ، وهو الذي إذا رآه أو بلغه خاف أن يعمل عمله ، وأصل الكلمة من الامتناع ، ومنه النكول عن اليمين ، وقيل للقيد نكل لأنه يمنع ، فالنكال من العقوبة هو أعظم حتى يمتنع من سمع به عن ارتكاب مثل ذلك الذنب الذي وقع التنكيل به ، وهو في العرف يقع على ما يفتضح به صاحبه ويعتبر به غيره ، والله أعلم . * ( إِنَّ فِى ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى ) * . ثم إنه تعالى ختم هذه القصة بقوله تعالى : * ( إن في ذلك لعبرة لمن يخشى ) * والمعنى أن فيما اقتصصناه من أمر موسى وفرعون ، وما أحله الله بفرعون من الخزي ، ورزق موسى من العلو والنصر عبرة لمن يخشى وذلك أن يدع التمرد على الله تعالى ، والتكذيب لأنبيائه خوفاً من أن ينزل به ما نزل بفرعون ، وعلماً بأن الله تعالى ينصر أنبياءه ورسله ، فاعتبروا معاشر المكذبين لمحمد بما ذكرناه ، أي اعلموا أنكم إن شاركتموهم في المعنى الجالب للعقاب ، شاركتموهم في حلول العقاب بكم . * ( أَءَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَآءُ بَنَاهَا ) * . ثم اعلم أنه تعالى لما ختم هذه القصة رجع إلى مخاطبة منكري البعث ، فقال : * ( أأنتم أشد خلقاً أم السماء ) * وفيه مسألتان : المسألة الأولى : في المقصود من هذا الاستدلال وجهان الأول : أنه استدلال على منكري البعث فقال : * ( أأنتم أشد خلقاً أم السماء ) * فنبههم على أمر يعلم بالمشاهدة . وذلك لأن خلقة الإنسان على صغره وضعفه ، إذا أضيف إلى خلق السماء على عظمها وعظم أحوالها يسير ، فبين تعالى أن خلق السماء أعظم ، وإذا كان كذلك فخلقهم على وجه الإعادة أولى أن يكون مقدوراً لله تعالى فكيف ينكرون ذلك ؟ ونظيره قوله : * ( أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على