فخر الدين الرازي
41
تفسير الرازي
قوله تعالى * ( فَأَرَاهُ الاَْيَةَ الْكُبْرَى ) * . وفيه مسألتان : المسألة الأولى : الفاء في * ( فأراه ) * معطوف على محذوف معلوم ، يعني فذهب فأراه ، كقوله : * ( فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت ) * ( البقرة : 60 ) أي فضرب فانفجرت . المسألة الثانية : اختلفوا في الآية الكبرى على ثلاثة أقوال : الأول : قال مقاتل والكلبي : هي اليد ، لقوله في طه : * ( وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء ) * ( النمل : 12 ) آية أخرى * ( ليريك من آياتنا الكبرى ) * ( طه : 23 ) القول الثاني : قال عطاء : هي العصا ، لأنه ليس في اليد إلا انقلاب لونه إلى لون آخر ، وهذا المعنى كان حاصلاً في العصا ، لأنها لما انقلبت حية فلا بد وأن يكون قد تغير اللون الأول ، فإذاً كل ما في اليد فهو حاصل في العصا ، ثم حصل في العصا أمور أخرى أزيد من ذلك ، منها حصول الحياة في الجرم الجمادي ، ومنها تزايد أجزائه وأجسامه ، ومنها حصول القدرة الكبيرة والقوة الشديدة ، ومنها أنها كانت ابتلعت أشياء كثيرة وكأنها فنيت ، ومنها زوال الحياة والقدرة عنها ، وفناء تلك الأجزاء التي حصل عظمها ، وزوال ذلك اللون والشكل اللذين بهما صارت العصا حية ، وكل واحد من هذه الوجوه كان معجزاً مستقلاً في نفسه ، فعلمنا أن الآية الكبرى هي العصا والقول الثالث : في هذه المسألة قول مجاهد : وهو أن المراد من الآية الكبرى مجموع اليد والعصا ، وذلك لأن سائر الآيات دلت على أن أول ما أظهر موسى عليه السلام لفرعون هو العصا ، ثم أتبعه باليد ، فوجب أن يكون المراد من الآية الكبرى مجموعهما . * ( فَكَذَّبَ وَعَصَى ) * . أحدها : قوله تعالى : * ( فكذب وعصى ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : معنى قوله : * ( فكذب ) * أنه كذب بدلالة ذلك المعجز على صدقه . واعلم أن القدح في دلالة المعجزة على الصدق إما لاعتقاد أنه يمكن معارضته ، أو لأنه وإن امتنعت معارضته لكنه ليس فعلاً لله بل لغيره ، إما فعل جنى أو فعل ملك ، أو إن كان فعلاً لله تعالى لكنه ما فعله لغرض التصديق ، أو إن كان فعله لغرض التصديق لكنه لا يلزم صدق المدعى ، فإنه لا يقبح من الله شيء البتة ، فهذه مجامع الطعن في دلالة المعجز على الصدق ، وما بعد الآية يدل على أن فرعون إنما منع من دلالته عن الصدق لاعتقاده أنه يمكن معارضته بدليل قوله : * ( فحشر فنادى ) * ( النازعات : 23 ) وهو كقوله : * ( فأرسل فرعون في المدائن حاشرين ) * ( الشعراء : 53 ) . المسألة الثانية : في الآية سؤال وهو أن كل أحد يعلم أن كل من كذب الله فقد عصى ، فما الفائدة في قوله : * ( فكذب وعصى ) * ؟ والجواب : كذب بالقلب واللسان ، وعصى بأن أظهر التمرد والتجبر .