فخر الدين الرازي

37

تفسير الرازي

في جرم الورد فإذا فسد هذا الهيكل تقلصت تلك الأجزاء وبقيت حية مدركة عاقلة ، إما في الشقاوة أو في السعادة وثالثها : أن يقال : إنه جسم مساو لهذه الأجسام في الماهية إلا أن الله تعالى خصها بالبقاء والاستمرار من أول حال تكون شخص في الوجود إلى آخر عمره ، وأما سائر الأجزاء المتبدلة تارة بالزيادة وأخرى بالنقصان فهي غير داخلة في المشار إليه بقوله أنا فعند الموت تنفصل تلك الأجزاء . وتبقى حية ، إما في السعادة أو في الشقاوة ، وإذا ظهرت هذه الاحتمالات ثبت أنه لا يلزم من فساد البدن وتفرق أجزائه فساد ما هو الإنسان حقيقة ، وهذا مقام حسن متين تنقطع به جميع شبهات منكري البعث . وعلى هذا التقدير لا يكون لصيرورة العظام نخرة بالية متفرقة تأثير في دفع الحشر والنشر البتة ، سلمنا على سبيل المسامحة أن الإنسان هو مجموع هذا الهيكل ، فلم قلتم : إن الإعادة ممتنعة ؟ قوله ؟ ( أولاً ) : المعدوم لا يعاد : قلنا : أليس أن حال عدمه لم يمتنع عندكم صحة الحكم عليه بأنه يمتنع عوده ، فلم لا يجوز أن لا يمتنع على قولنا أيضاً صحة الحكم عليه بالعود ، قول : ثانياً : الأجزاء القليلة مختلطة بأجزاء العناصر الأربعة ، قلنا لكن ثبت أن خالق العالم عام بجميع الجزئيات ، وقادر على كل الممكنات فيصح منه جمعها بأعيانها . وإعادة الحياة إليها . قوله : ثالثاً : الأجسام القشفة اليابسة لا تقبل الحياة . قلنا : نرى السمندل ، يعيش في النار ، والنعامة تبتلع الحديدة المحماة ، والحيات الكبار العظام متولدة في الثلوج ، فبطل الاعتماد على الاستقراء ، والله الهادي إلى الصدق والصواب . * ( قَالُواْ تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ ) * . النوع الثالث : من الكلمات التي حكاها الله تعالى عن منكري البعث * ( قالوا تلك إذاً كرة خاسرة ) * والمعنى كرة منسوبة إلى الخسران ، كقولك تجارة رابحة ، أو خاسر أصحابها ، والمعنى أنها إن صحت فنحن إذاً خاسرون لتكذيبنا ، وهذا منهم استهزاء . * ( فَإِنَّمَا هِىَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ * فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ ) * . واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم هذه الكلمات قال : * ( فإنما هي زجرة واحدة ، فإذا هم بالساهرة ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : الفاء في قوله : * ( فإذا هم ) * متعلق بمحذوف معناه لا تستصعبوها فإنما هي زجرة واحدة ، يعني لا تحسبوا تلك الكرة صعبة على الله فإنها سهلة هينة في قدرته . المسألة الثانية : يقال : زجر البعير إذا صاح عليه ، والمراد من هذه الصيحة النفخة الثانية وهي صيحة إسرافيل ، قال المفسرون : يحييهم الله في بطون الأرض فيسمعونها فيقومون ، ونظير هذه الآية قوله تعالى : * ( وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من فواق ) * ( ص : 15 ) . المسألة الثالثة : الساهرة الأرض البيضاء المستوية سميت بذلك لوجهين الأول : أن