فخر الدين الرازي

24

تفسير الرازي

صورة بني آدم يأكلون ويشربون ، وليس بناس ، وعن الحسن وقتادة هم بنو آدم ، وعلى هذا معناه ذو الروح ، وعن ابن عباس أرواح الناس ، ا وعن الضحاك والشعبي هو جبريل عليه السلام ، وهذا القول هو المختار عند القاضي . قال : لأن القرآن دل على أن هذا الاسم اسم جبريل عليه السلام ، وثبت أن القيام صحيح من جبريل والكلام صحيح منه ، ويصح أن يؤذن له فكيف يصرف هذا الاسم عنه إلى خلق لا نعرفه ، أو إلى القرآن الذي لا يصح وصفه بالقيام . أما قوله : * ( صفاً ) * فيحتمل أن يكون المعنى أن الروح على الاختلاف الذي ذكرناه ، وجميع الملائكة يقومون صفاً واحداً ، ويجوز أن يكون المعنى يقومون صفين ، ويجوز صفوفاً ، والصف في الأصل مصدر فينبئ عن الواحد والجمع ، وظاهر قول المفسرين أنهم يقومون صفين ، فيقوم الروح وحده صفاً ، وتقوم الملائكة كلهم صفاً واحداً ، فيكون عظم خلقه مثل صفوفهم ، وقال بعضهم : بل يقومون صفوفاً لقوله تعالى : * ( وجاء ربك والملك صفاً صفاً ) * ( الفجر : 22 ) . المسألة الثالثة : الاستثناء إلى من يعود ؟ فيه قولان : أحدهما : إلى الروح والملائكة ، وعلى هذا التقدير ؛ الآية دلت على أن الروح والملائكة لا يتكلمون إلا عند حصول شرطين إحداها : حصول الإذن من الله تعالى ، ونظيره قوله تعالى : * ( من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ) * ( البقرة : 255 ) والمعنى أنهم لا يتكلمون إلا بإذن الله . والشرط الثاني : أن يقول : صواباً ، فإن قيل : لما أذن له الرحمن في ذلك القول ، علم أن ذلك القول صواب لا محالة ، فما الفائدة في قوله : * ( وقال صواباً ) * ؟ والجواب من وجهين : الأول : أن الرحمن أذن له في مطلق القول ثم إنهم عند حصول ذلك الإذن لا يتكلمون إلا بالصواب ، فكأنه قيل : إنهم لا ينطلقون إلا بعد ورود الإذن في الكلام ، ثم بد ورود ذلك الإذن يجتهدون ، ولا يتكلمون إلا بالكلام الذي يعلمون أنه صدق وصواب ، وهذا مبالغة في وصفهم بالطاعة والعبودية الوجه الثاني : أن تقديره : لا يتكلمون إلا في حق * ( من أذن له الرحمن وقال صواباً ) * والمعنى لا يشفعون إلا في حق شخص أذن له الرحمن في شفاعته وذلك الشخص كان ممن قال صواباً ، واحتج صاحب هذا التأويل بهذه الآية على أنهم يشفعون للمذنبين لأنهم قالوا صواباً وهو شهادة أن لا إله إلا الله ، لأن قوله : * ( وقال صواباً ) * يكفي في صدقه أن يكون قد قال صواباً واحداً ، فكيف بالشخص الذي قال القول الذي هو أصوب الأقوال وتكلم بالكلام الذي هو أشرف الكلمات القول الثاني : أن الاستثناء غير عائد إلى الملائكة فقط بل إلى جميع أهل السماوات والأرض ، والمقول الأول أولى لأن عود الضمير إلى الأقرب أولى . واعلم أنه تعالى لما قرر أحوال المكلفين في درجات الثواب والعقاب ، وقرر عظمة يوم