فخر الدين الرازي
220
تفسير الرازي
الخلق ، فلما صار محمد عليه الصلاة والسلام ، مع هذين الوصفين أكرم الخلق ، كان ذلك قلباً للعادة ، فكان من جنس المعجزات . السؤال الثاني : ما الحكمة في أن الله ذكر هذه الأشياء ؟ الجواب : الحكمة أن لا ينسى نفسه فيقع في العجب . السؤال الثالث : روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " سألت ربي مسألة وددت أني لم أسألها ، قلت : اتخذت إبراهيم خليلاً ، وكلمت موسى تكليماً ، وسخرت مع داود الجبال ، وأعطيت سليمان كذا وكذا ، وأعطيت فلاناً كذا وكذا ، فقال : ألم أجدك يتيماً فآويتك ؟ ألم أجدك ضالاًّ فهديتك ؟ ألم أجدك عائلاً فأغنيتك ؟ قلت : بلى . فقال : ألم أشرح لك صدرك ؟ قلت : بلى ، قال : ألم أرفع لك ذكرك ؟ قلت : بلى ! قال : ألم أصرف عنك وزرك ؟ قلت : بلى ، ألم أوتك ما لم أوت نبياً قبلك وهي خواتيم سورة البقرة ؟ أم أتخذك خليلاً كما اتخذت إبراهيم خليلاً ؟ " فهل يصح هذا الحديث قلنا : طعن القاضي في هذا الخبر فقال : إن الأنبياء عليهم السلام لا يسألون مثل ذلك إلا عن إذن ، فكيف يصح أن يقع من الرسول مثل هذا السؤال . ويكون منه تعالى ما يجري مجرى المعاتبة . * ( فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ ) * . وقرئ فلا تكهر ، أي لا تعبس وجهك إليه ، والمعنى عامله بمثل ما عاملتك به ، ونظيره من وجه : * ( وأحسن كما أحسن الله إليك ) * ( القصص : 77 ) ومنه قوله عليه السلام : " الله الله فيمن ليس له إلا الله " وروي : أنها نزلت حين صاح النبي صلى الله عليه وسلم على ولد خديجة ومنه حديث موسى عليه السلام حين : " قال : إلهي بم نلت ما نلت ؟ قال : أتذكر حين هربت منك السخلة ، فلما قدرت عليها قلت : أتعبت نفسك ثم حملتها ، فلهذا السبب جعلتك ولياً على الخلق ، فلما نال موسى عليه السلام النبوة بالإحسان إلى الشاة فكيف بالإحسان إلى اليتيم ، وإذا كان هذا العتاب بمجرد الصياح أو العبوسية في الوجه ، فكيف إذا أذله أو أكل ماله ، عن أنس عن النبي عليه الصلاة والسلام : " إذا بكى اليتيم وقعت دموعه في كف الرحمن ، ويقول تعالى : من أبكى هذا اليتيم الذي واريت والده التراب ، من أسكته فله الجنة " . * ( وَأَمَّا السَّآئِلَ فَلاَ تَنْهَرْ ) * . ثم قال تعالى : * ( وأما السائل فلا تنهر ) * يقال : نهره وانتهره إذا استقبله بكلام يزجره ، وفي المراد من السائل قولان : أحدهما : وهو اختيار الحسن أن المراد منه من يسأل العلم ونظيره من وجه : * ( عبس وتولى * أن جاءه الأعمى ) * ( عبس : 1 ، 2 ) وحينئذ يحصل الترتيب ، لأنه تعالى قال له أولاً : * ( ألم يجدك يتيماً فآوى * ووجدك ضالاًّ فهدى * ووجدك عائلاً فأغنى ) * ( الضحى : 6 ، 8 ) ثم اعتبر هذا الترتيب ، فأوصاه برعاية حق اليتيم ، ثم برعاية حق من يسأله عن العلم والهداية ، ثم أوصاه بشكر نعم الله عليه