فخر الدين الرازي
216
تفسير الرازي
وأن أتمم عليك وعلى أمتك النعمة ، كما قال : * ( ولأتم نعمتي عليكم ) * ( البقرة : 150 ) أما علمت أن الحامل التي تسقط الولد قبل التمام معيبة ترد ، ولو أسقطت أو الرجل أسقط عنها بعلاج تجب الغرة وتستحق الذم ، فكيف يحسن ذلك من الحي القيوم ، فما أعظم الفرق بين مان هو الله ، وبين مان هو فرعون ، ونظيره ما قاله بعضهم : * ( ثلاثة رابعهم كلبهم ) * ( الكهف : 22 ) في تلك الأمة ، وفي أمة محمد : * ( ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ) * ( المجادلة : 7 ) فشتان بين أمة رابعهم كلبهم ، وبين أمة رابعهم ربهم . السؤال الثاني : أنه تعالى منّ عليه بثلاثة أشياء ، ثم أمره بأن يذكر نعمة ربه ، فما وجه المناسبة بين هذه الأشياء ؟ الجواب : وجه المناسبة أن نقول : قضاء الدين واجب ، ثم الدين نوعان مالي وإنعامي والثاني : أقوى وجوباً ، لأن المالي قد يسقط بالإبراء والثاني : يتأكد بالإبراء ، والمالي يقضي مرة فينجو الإنسان منه والثاني : يجب عليك قضاؤه طول عمرك ، ثم إذا تعذر قضاء النعمة القليلة من منعم هو مملوك ، فكيف حال النعمة العظيمة من المنعم العظيم ، فكأن العبد يقول : إلهي أخرجتني من العدم إلى الوجود بشراً سوياً ، طاهر الظاهر نجس الباطن ، بشارة منك أن تستر على ذنوبي بستر عفوك ، كما سترت نجاستي بالجلد الظاهر ، فكيف يمكنني قضاء نعمتك التي لا حد لها ولا حصر ؟ فيقول تعالى الطريق إلى ذلك أن تفعل في حق عبيدي ما فعلته في حقك ، كنت يتيماً فآويتك فافعل في حق الأيتام ذلك ، وكنت ضالاً فهديتك فافعل في حق عبيدي ذلك ، وكنت عائلاً فأغنيتك فافعل في حق عبيدي ذلك ثم إن فعلت كل ذلك فاعلم أنك إنما فعلتها بتوفيقي لك ولطفي وإرشادي ، فكن أبداً ذاكراً لهذه النعم والألطاف . * ( وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَى ) * . أما قوله تعالى : * ( ووجدك ضالاًّ فهدى ) * فاعلم أن بعض الناس ذهب إلى أنه كان كافراً في أول الأمر ، ثم هداه الله وجعله نبياً ، قال الكلبي : * ( وجدك ضالاً ) * يعني كافراً في قوم ضلال فهداك للتوحيد ، وقال السدي : كان على دين قومه أربعين سنة ، وقال مجاهد : * ( وجدك ضالاًّ ) * عن الهدى لدينه واحتجوا على ذلك بآيات أخر منها قوله : * ( ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ) * ( الشورى : 52 ) وقوله : * ( وإن كنت من قبله لمن الغافلين ) * ( يوسف : 3 ) وقوله : * ( لئن أشركت ليحبطن عملك ) * ( الزمر : 65 ) فهذا يقتضي صحة ذلك منه ، وإذا دلت هذه الآية على الصحة وجب حمل قوله : * ( ووجدك ضالاًّ ) * عليه ، وأما الجمهور من العلماء فقد اتفقوا على أنه عليه السلام ما كفر بالله لحظة واحدة ، ثم قالت المعتزلة : هذا غير جائز عقلاً لما فيه من التنفير ، وعند أصحابنا هذا غير ممتنع عقلاً لأنه جائز في العقول أن يكون الشخص كافراً فيرزقه الله الإيمان ويكرمه بالنبوة ، إلا أن الدليل السمعي قام على أن هذا الجائز لم يقع وهو قوله تعالى : * ( ما ضل صاحبكم وما غوى ) * ( النجم : 2 ) ثم ذكروا في تفسير هذه الآية وجوهاً كثيرة أحدها : ما روي عن ابن عباس والحسن والضحاك وشهر بن حوشب : * ( وجدك ضالاً ) * عن معالم النعمة