فخر الدين الرازي
20
تفسير الرازي
* ( إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً ) * . أولها : قوله تعالى : * ( إن للمتقين مفازاً ) * أما المتقي فقد تقدم تفسيره في مواضع كثيرة * ( ومفازاً ) * يحتمل أن يكون مصدراً بمعنى فوزاً وظفراً بالبغية ، ويحتمل أن يكون موضع فوز والفوز يحتمل أن يكون المراد منه فوزاً بالمطلوب ، وأن يكون المراد منه فوزاً بالنجاة من العذاب ، وأن يكون المراد مجموع الأمرين ، وعندي أن تفسيره بالفوز بالمطلوب أولى من تفسيره بالفوز بالنجاة من العذاب ، ومن تفسيره بالفوز بمجموع الأمرين أعني النجاة من الهلاك والوصول إلى المطلوب ، وذلك لأنه تعالى فسر المفاز بما بعده وهو قوله : * ( حدائق وأعناباً ) * فوجب أن يكون المراد من المفاز هذا القدر . فإن قيل الخلاص من الهلاك أهم من حصول اللذة ، فلم أهمل الأهم وذكر غير الأهم ؟ قلنا : لأن الخلاص من الهلاك لا يستلزم الفوز باللذة والخير ، أما الفوز باللذة والخير فيستلزم الخلاص من الهلاك ، فكان ذكر هذا أولى . * ( حَدَآئِقَ وَأَعْنَاباً ) * . وثانيها : قوله تعالى : * ( حدائق وأعناباً ) * والحدائق جمع حديقة ، وهي بستان محوط عليه . من قولهم : أحدقوا به أي أحاطوا به ، والتنكير في قوله : * ( وأعناباً ) * يدل على تعظيم حال تلك الأعناب . * ( وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً ) * . وثالثها : قوله تعالى : * ( وكواعب أتراباً ) * كواعب جمع كاعب وهي النواهد التي تكعبت ثديهن وتفلكت أي يكون الثدي في النتوء كالكعب والفلكة . * ( وَكَأْساً دِهَاقاً ) * . ورابعها : قوله تعالى : * ( وكأساً دهاقاً ) * وفي الدهاق أقوال الأول : وهو قول أكثر أهل اللغة كأبي عبيدة والزجاج والكسائي والمبرد ، و * ( دهاقاً ) * أي ممتلئة ، دعا ابن عباس غلاماً له فقال : اسقنا دهاقاً ، فجاء الغلام بها ملأى ، فقال ابن عباس : هذا هو الدهاق قال عكرمة ، ربما سمعت ابن عباس يقول : اسقنا وادهق لنا القول الثاني : دهاقاً أي متتابعة وهو قول أبي هريرة وسعيد بن جبير ومجاهد ، قال الواحدي : وأصل هذا القول من قول العرب : أدهقت الحجارة إدهاقاً وهو شدة تلازمها ودخول بعضها في بعض ، ذكرها الليث والمتتابع كالمتداخل القول الثالث : يروى عن عكرمة أنه قال : * ( دهاقاً ) * أي صافية ، والدهاق على هذا القول يجوز أن يكون جمع داهق ، وهو خشبتان يعصر بهما ، والمراد بالكأس الخمر ، قال الضحاك : كل كأس في القرآن فهو خمر ، التقدير . وخمراً ذات دهاق ، أي عصرت وصفيت بالدهاق . * ( لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ كِذَاباً ) * . وخامسها : قوله : * ( لا يسمعون فيها لغواً ولا كذاباً ) * في الآية سؤالان : الأول : الضمير في قوله : * ( فيها ) * إلى ماذا يعود ؟ الجواب فيه قولان الأول : أنها ترجع إلى الكأس ، أي لا يجري بينهم لغو في الكأس التي يشربونها ، وذلك لأن أهل الشراب