فخر الدين الرازي
194
تفسير الرازي
واحد يختلج في القلب أنه هل هو بقضائه وقدره وهو الأفعال الحيوانية الاختيارية ، فنبه سبحانه بقوله : * ( فألهمها فجورها وتقواها ) * على أن ذلك أيضاً منه وبه وبقضائه وقدره ، وحينئذ ثبت أن كل ما سوى الله فهو واقع بقضائه وقدره . وداخل تحت إيجاده وتصرفه . ثم الذي يدل عقلاً على أن المراد من قوله : * ( فألهمها فجورها وتقواها ) * هو الخذلان والتوفيق ما ذكرنا مراراً أن الأفعال الاختيارية موقوفة على حصول الاختيارات ، فحصولها إن كان لا عن فاعل فقد استغنى المحدث عن الفاعل ، وفيه نفي الصانع ، وإن كان عن فاعل هو العبد لزم التسلسل ، وإن كان عن الله فهو المقصود ، وأيضاً فليجرب العاقل نفسه . فإنه ربما كان الإنسان غافلاً عن شيء فتقع صورته في قلبه دفعة ، ويترتب على وقوع تلك الصورة في القلب ميل إليه ، ويترتب على ذلك الميل حركة الأعضاء وصدور الفعل ، وذلك يفيد القطع بأن المراد من قوله : * ( فألهمها ) * ما ذكرناه لا ما ذكره المعتزلة . * ( قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا ) * . أما قوله تعالى : * ( قد أفلح من زكاها ) * فاعلم أن التزكية عبارة عن التطهير أو عن الإنماء ، وفي الآية قولان أحدهما : أنه قد أدرك مطلوبه من زكى نفسه بأن طهرها من الذنوب بفعل الطاعة ومجانبة المعصية والثاني : قد أفلح من زكاها الله ، وقبل القاضي هذا التأويل ، وقال المراد منه أن الله حكم بتزكيتها وسماها بذلك ، كما يقال في العرف : إن فلاناً يزكي فلاناً ، ثم قال : والأول أقرب ، لأن ذكر النفس قد تقدم ظاهراً ، فرد الضمير عليه أولى من رده على ما هو في حكم المذكور لا أنه مذكور . واعلم أنا قد دللنا بالبرهان القاطع أن المراد ، بألهمها ما ذكرناه فوجب حمل اللفظ عليه . وأما قوله بأن هذا محمول على الحكم والتسمية فهو ضعيف ، لأن بناء التفعيلات على التكوين ، ثم إن سلمنا ذلك لكن ما حكم الله به يمتنع تغيره ، لأن تغير المحكوم به يستلزم تغير الحكم من الصدق إلى الكذب ، وتغير العلم إلى الجهل وذلك محال ، والمفضي إلى المحال محال . أما قوله ذكر النفس قد تقدم ، قلنا : هذا بالعكس أولى ، فإن أهل اللغة اتفقوا على أن عود الضمير إلى الأقرب أولى من عوده إلى الأبعد ، وقوله : * ( فألهمها ) * أقرب إلى قوله : * ( ما ) * منه إلى قوله : * ( ونفس ) * فكان الترجيح لما ذكرناه ، ومما يؤكد هذا التأويل ما رواه الواحدي في البسيط عن سعيد بن أبي هلال أنه عليه السلام كان إذا قرأ : * ( قد أفلح من زكاها ) * وقف وقال : " اللهم آت نفسي تقواها ، أنت وليها وأنت مولاها ، وزكها أنت خير من زكاها " . أما قوله تعالى : * ( وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا ) * . فقالوا : * ( دساها ) * أصله دسسها من التدسيس ، وهو إخفاء الشيء في الشيء ، فأبدلت إحدى السينات ياء ، فأصل دسى دسس ، كما أن أصل تقضى البازي تقضض البازي ، وكما قالوا : الببت والأصل لببت ، وملبي والأصل ملبب ، ثم نقول : أما