فخر الدين الرازي
191
تفسير الرازي
البيض وخامسها : أنه يتلوها في كبر الجرم بحسب الحس ، وفي ارتباط مصالح هذا العالم بحركته ، ولقد ظهر في علم النجوم أن بينهما من المناسبة ما ليس بين الشمس وبين غيرها . * ( وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا ) * . معنى التجلية الإظهار ، والكشف والضمير في جلاها إلى ماذا يعود ؟ فيه وجهان أحدهما : وهو قول الزجاج : أنه عائد إلى الشمس وذلك لأن النهار عبارة عن نور الشمس . فكلما كان النهار أجلى ظهوراً كانت الشمس أجلى ظهوراً ، لأن قوة الأثر وكماله تدل على قوة المؤثر ، فكان النهار يبرز الشمس ويظهرها ، كقوله تعالى : * ( لا يجليها لوقتها إلا هو ) * أي لا يخرجها الثاني : وهو قول الجمهور - أنه عائد إلى الظلمة ، أو إلى الدنيا ، أو إلى الأرض . وإن لم يجر لها ذكر ، يقولون : أصبحت باردة يريدون الغداة ، وأرسلت يريدون السماء . * ( وَالَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا ) * . يعني يغشى الليل الشمس فيزيل ضوءها ، وهذه الآية تقوي القول الأول في الآية التي قبلها من وجهين الأول : إنه لما جعل الليل يغشى الشمس ويزيل ضوءها حسن أن يقال : النهار يجليها ، على ضد ما ذكر في الليل والثاني : أن الضمير في يغشاها للشمس بلا خلاف ، فكذا في جلاها يجب أن يكون للشمس حتى يكون الضمير في الفواصل من أول السورة إلى ههنا للشمس ، قال القفال : وهذه الأقسام الأربعة ليست إلا بالشمس في الحقيقة لكن بحسب أوصاف أربعة أولها : الضوء الحاصل منها عند ارتفاع النهار . وذلك هو الوقت الذي يكمل فيه انتشار الحيوان واضطراب الناس للمعاش ، ومنها تلو القمر لها وأخذه الضوء عنها ، ومنها تكامل طلوعها وبروزها بمجيء النهار ، ومنها وجود خلاف ذلك بمجيء الليل ، ومن تأمل قليلاً في عظمة الشمس ثم شاهد بعين عقله فيها أثر المصنوعية والمخلوقية من المقدار المتناهي ، والتركب من الأجزاء انتقل منه إلى عظمة خالقها ، فسبحانه ما أعظم شأنه . * ( وَالسَّمَآءِ وَمَا بَنَاهَا ) * . فيه سؤالات : السؤال الأول : أن الذي ذكره صاحب " الكشاف " من أن * ( ما ) * ههنا لو كانت مصدرية لكان عطف * ( فألهمها ) * عليه يوجب فساد النظم حق ، والذي ذكره القاضي من أنه لو كان هذا قسماً بخالق السماء ، لما كان يجوز تأخيره عن ذكر الشمس ، فهو إشكال جيد ، والذي يخطر ببالي في الجواب عنه : أن أعظم المحسوسات هو الشمس ، فذكرها سبحانه مع أوصافها الأربعة الدالة على عظمتها ، ثم ذكر ذاته المقدسة بعد ذلك ووصفها بصفات ثلاثة وهي تدبيره سبحانه للسماء والأرض وللمركبات ، ونبه على المركبات بذكر أشرفها وهي النفس ، والغرض من هذا الترتيب هو أن يتوافق العقل والحس على عظمة جرم الشمس ثم يحتج العقل الساذج بالشمس ، بل بجميع السماويات والأرضيات والمركبات على إثبات مبدئ لها ، فحينئذ يحظى العقل ههنا بإدراك