فخر الدين الرازي

188

تفسير الرازي

كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة ) * يعني يكون مقتحم العقبة من هذه الزمرة والطائفة ، وهذه الطائفة هم أكابر الصحابة كالخلفاء الأربعة وغيرهم ، فإنهم كانوا مبالغين في الصبر على شدائد الدين والرحمة على الخلق ، وبالجملة فقوله : * ( وتواصوا بالصبر ) * إشارة إلى التعظيم لأمر الله ، وقوله : * ( وتواصوا بالمرحمة ) * إشارة إلى الشفقة على خلق الله ، ومدار أمر الطاعات ليس إلا على هذين الأصلين وهو الذي قاله بعض المحققين ، إن الأصل في التوصف أمران : صدق مع الحق ؟ وخلق مع الخلق . ثم إنه سبحانه لما وصف هؤلاء المؤمنين بين أنهم من هم في القيامة فقال : * ( أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ ) * . وإنما ذكر ذلك لأنه تعالى بين حالهم في سورة الواقعة وأنهم * ( في سدر مخضود * وطلح منضود ) * ( الواقعة : 29 , 28 ) قال صاحب " الكشاف " : الميمنة والمشأمة ، اليمين والشمال ، أو اليمين والشؤم ، أي الميامين على أنفسهم والمشائيم عليها . ثم قال تعالى : * ( وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بِايَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْامَةِ ) * . فقيل : المراد من يؤتي كتابه بشماله أو وراء ظهره ، وقد تقدم وصف الله لهم بأنهم : * ( في سموم وحميم وظل من يحموم ) * ( الواقعة : 42 ) إلى غير ذلك . ثم قال تعالى : * ( عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةُ ) * . وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال الفراء والزجاج والمبرد : يقال آصدت الباب وأوصدته إذا أغلقته ، فمن قرأ مؤصدة بالهمزة أخذها من آصدت فهمز اسم المفعول ، ويجوز أن يكون من أوصدت ولكنه همز على لغة من يهمز الواو وإذا كان قبلها ضمة نحو مؤسي ، ومن لم يهمز احتمل أيضاً أمرين : أحدهما : أن يكون من لغة من قال : أوصدت فلم يهمز اسم المفعول كما يقال : من أوعدت موعد . الآخر : أن يكون من آصد مثل آمن ولكنه خفف كما في تخفيف جؤنة وبؤس جونة وبوس فيقلبها في التخفيف واواً ، قال الفراء : ويقال من هذا الأصيد والوصيد وهو الباب المطبق ، إذا عرفت هذا فنقول : قال مقاتل * ( عليهم نار مؤصدة ) * يعني أبوابها مطبقة فلا يفتح لهم باب ولا يخرج منها غم ولا يدخل فيها روح أبد الآباد ، وقيل : المراد إحاطة النيران بهم ، كقوله : * ( أحاط بهم سرادقها ) * ( الكهف : 29 ) . المسألة الثانية : * ( المؤصدة ) * هي الأبواب ، وقد جرت صفة للنار على تقدير : عليهم نار مؤصدة الأبواب ، فكلما تركت الإضافة عاد التنوين لأنهما يتعاقبان ، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .