فخر الدين الرازي

181

تفسير الرازي

قال : " إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض ، فهي حرام إلى أن تقوم الساعة لم تحل لأحد قبلي ، ولن تحل لأحد بعدي ، ولم تحل إلا ساعة من نهار ، فلا يعضد شجرها ، ولا يختلي خلالها ، ولا ينفر صيدها ، ولا تحل لقطتها إلا لمنشد . فقال العباس : إلا الإذخر يا رسول الله فإنه لبيوتنا وقبورنا ، فقال إلا الإذخر " . فإن قيل : هذه السورة مكية ، وقوله : * ( وأنت حل ) * إخبار عن الحال ، والواقعة التي ذكرتم إنما حدثت في آخر مدة هجرته إلى المدينة ، فكيف الجمع بين الأمرين ؟ قلنا : قد يكون اللفظ للحال والمعنى مستقبلاً ، كقوله تعالى : * ( إنك ميت ) * ( الزمر : 30 ) وكما إذا قلت لمن تعده الإكرام والحباء : أنت مكرم محبو ، وهذا من الله أحسن ، لأن المستقبل عنده كالحاضر بسبب أنه لا يمنعه عن وعده مانع ورابعها : * ( وأنت حل بهذا البلد ) * أي وأنت غير مرتكب في هذا البلد ما يحرم عليك ارتكابه تعظيماً منك لهذا البيت ، لا كالمشركين الذين يرتكبون فيه الكفر بالله ، وتكذيب الرسل وخامسها : أنه تعالى لما أقسم بهذا البلد دل ذلك على غاية فضل هذا البلد ، ثم قال : * ( وأنت حل بهذا البلد ) * أي وأنت من حل هذه البلدة المعظمة المكرمة ، وأهل هذا البلد يعرفون أصلك ونسبك وطهارتك وبراءتك طول عمرك من الأفعال القبيحة ، وهذا هو المراد بقوله تعالى : * ( هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم ) * ( الجمعة : 2 ) وقال : * ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم ) * ( التوبة : 128 ) وقوله : * ( فقد لبثت فيكم عمراً من قبله ) * ( يونس : 16 ) فيكون الغرض شرح منصب رسول الله صلى الله عليه وسلم بكونه من هذا البلد . أما قوله : * ( ووالد وما ولد ) * فاعلم أن هذا معطوف على قوله : * ( لا أقسم بهذا البلد ) * وقوله : * ( وأنت حل بهذا البلد ) * معترض بين المعطوف والمعطوف عليه ، وللمفسرين فيه وجوه أحدها : الولد آدم وما ولد ذريته ، أقسم بهم إذ هم من أعجب خلق الله على وجه الأرض ، لما فيهم من البيان والنطق والتدبير واستخراج العلوم وفيهم الأنبياء والدعاة إلى الله تعالى والأنصار لدينه ، وكل ما في الأرض مخلوق لهم وأمر الملائكة بالسجود لآدم وعلمه الأسماء كلها ، وقد قال الله تعالى : * ( ولقد كرمنا بني آدم ) * ( الإسراء : 70 ) فيكون القسم بجميع الآدميين صالحهم وطالحهم ، لما ذكرنا من ظهور العجائب في هذه البنية والتركيب ، وقيل : هو قسم بآدم والصالحين من أولاده ، بناء على أن الطالحين كأنهم ليسوا من أولاده وكأنهم بهائم . كما قال : * ( إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا ) * ، * ( صم بكم عمي فهم لا يرجعون ) * وثانيها : أن الولد إبراهيم وإسماعيل وما ولد محمد صلى الله عليه وسلم وذلك لأنه أقسم بمكة وإبراهيم بانيها وإسماعيل ومحمد عليهما السلام سكانها ، وفائدة التنكير الإبهام المستقل بالمدح والتعجب ، وإنما قال : * ( وما ولد ) * ولم يقل ومن ولد ، للفائدة الموجودة في قوله : * ( والله أعلم بما وضعت ) * ( آل عمران : 36 ) أي بأي شيء وضعت يعني موضوعاً عجيب الشأن وثالثها : الولد إبراهيم وما ولد جميع ولد إبراهيم بحيث يحتمل العرب والعجم . فإن جملة ولد إبراهيم هم سكان البقاع الفاضلة من أرض الشام ومصر ، وبيت المقدس وأرض العرب ومنهم الروم لأنهم ولد عيصو بن إسحاق ، ومنهم من خص ذلك بولد إبراهيم من العرب