فخر الدين الرازي

18

تفسير الرازي

فصدقتها أو كذبتها * والمرء ينفعه كذابه وهو مثل قوله تعالى : * ( أنبتكم من الأرض نباتاً ) * ( نوح : 17 ) يعني وكذبوا بآياتنا فكذبوا كذاباً وثانيها : أن ينصبه بكذبوا لأنه يتضمن معنى كذبوا لأن كل مكذب بالحق كاذب وثالثها : أن يجعل الكذاب بمعنى المكاذبة ، فمعناه وكذبوا بآياتنا فكاذبوا مكاذبة . أو كذبوا بها مكاذبين . لأنهم إذا كانوا عند المسلمين كاذبين ، وكان المسلمون عندهم كاذبين فبينهم مكاذبة وقرئ أيضاً كذلك وهو جمع كاذب ، أي كذبوا بآياتنا كاذبين ، وقد يكون الكذاب بمعنى الواحد البليغ في الكذب ، يقال رجل كذاب كقولك حسان وبخال ، فيجعل صفة لمصدر كذبوا أي تكذيباً كذاباً مفرطاً كذبه . قوله تعالى * ( وَكُلَّ شَىْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً ) * . واعلم أنه تعالى لما بين أن فساد حالهم في القوة العملية وفي القوة النظرية بلغ إلى أقصى الغايات وأعظم النهايات بين أن تفاصيل تلك الأحوال في كميتها وكيفيتها معلومة له ، وقدر له ما يستحق عليه من العقاب معلوم له ، فقال : * ( وكل شيء أحصيناه كتاباً ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال الزجاج : * ( كل ) * منصوب بفعل مضمر يفسره * ( أحصيناه ) * والمعنى : وأحصينا كل شيء وقرأ أبو السمال ، وكل بالرفع على الابتداء . المسألة الثانية : قوله : * ( وكل شيء أحصيناه ) * أي علمنا كل شيء كما هو علماً لا يزول ولا يتبدل ، ونظيره قوله تعالى : * ( أحصاه الله ونسوه ) * ( المجادلة : 6 ) واعلم أن هذه الآية تدل على كونه تعالى عالماً بالجزئيات ، واعلم أن مثل هذه الآية لا تقبل التأويل : وذلك لأنه تعالى ذكر هذا تقريراً لما ادعاه من قوله : * ( جزاءاً وفاقاً ) * ( النبأ : 26 ) كأنه تعالى يقول : أنا عالم بجميع ما فعلوه ، وعالم بجهات تلك الأفعال وأحوالها واعتباراتها التي لأجلها يحصل استحقاق الثواب والعقاب ، فلا جرم لا أوصل إليهم من العذاب إلا قدر ما يكون وفاقاً لأعمالهم ، ومعلوم أن هذا القدر إنما يتم لو ثبت كونه تعالى عالماً بالجزئيات ، وإذا ثبت هذا ظهر أن كل من أنكره كان كافراً قطعاً . المسألة الثالثة : قوله : * ( أحصيناه كتاباً ) * فيه وجهان : أحدهما : تقديره أحصيناه إحصاء ، وإنما عدل عن تلك اللفظة إلى هذه اللفظة ، لأن الكتابة هي النهاية في قوة العلم ، ولهذا قال عليه السلام " قيدوا العلم بالكتابة " فكأنه تعالى قال : وكل شيء أحصيناه إحصاء مساوياً في القوة والثبات والتأكيد للمكتوب ، فالمراد من قوله كتاباً تأكيد ذلك الإحصاء والعلم ، واعلم أن هذا التأكيد إنما ورد على حسب ما يليق بأفهام أهل الظاهر ، فإن المكتوب يقبل الزوال ، وعلم الله بالأشياء لا يقبل الزوال لأنه واجب لذاته القول الثاني : أن يكون قوله كتاباً حالاً في معنى مكتوباً والمعنى وكل شيء أحصيناه حال كونه مكتوباً في اللوح المحفوظ ، كقوله : * ( وكل شيء أحصيناه في إمام مبين ) * أو في صحف الحفظة .