فخر الدين الرازي

178

تفسير الرازي

بالمتناهي ، فلا بد في مقابلة حاجة العبد التي لا نهاية لها من كمال الله الذي لا نهاية له ، حتى يحصل الاستقرار ، فثبت أن كل من آثر معرفة الله لا لشيء غير الله فهو غير مطمئن ، وليست نفسه نفساً مطمئنة ، أما من آثر معرفة الله لشيء سواه فنفسه هي النفس المطمئنة ، وكل من كان كذلك كان أنسه بالله وشوقه إلى الله وبقاؤه بالله وكلامه مع الله ، فلا جرم يخاطب عند مفارقته الدنيا بقوله : * ( ارجعي إلى ربك راضية مرضية ) * وهذا كلام لا ينتفع الإنسان به إلا إذا كان كاملاً في القوة الفكرية الإلهية أو في التجريد والتفريد . المسألة الثالثة : اعلم أن الله تعالى ذكر مطلق النفس في القرآن فقال : * ( ونفس وما سواها ) * ( الشمس : 7 ) وقال : * ( تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك ) * ( المائدة : 116 ) وقال : * ( فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قوة أعين ) * ( السجدة : 17 ) وتارة وصفها بكونها أمارة بالسوء ، فقال : * ( إن النفس لأمارة بالسوء ) * ( يوسف : 53 ) وتارة بكونها لوامة ، فقال : * ( بالنفس اللوامة ) * ( القيامة : 2 ) وتارة بكونها مطمئنة كما في هذه الآية . واعلم أن نفس ذاتك وحقيقتك وهي التي تشير إليها بقولك : ( أنا ) حين تخبر عن نفسك بقولك فعلت ورأيت وسمعت وغضبت واشتهيت وتخيلت وتذكرت ، إلا أن المشار إليه بهذه الإشارة ليس هو هذه البنية لوجهين الأول : أن المشار إليه بقولك : ( أنا ) قد يكون معلوماً حال ما تكون هذه البنية المخصوصة غير معلومة ، والمعلوم غير ما هو غير معلوم والثاني : أن هذه البنية متبدلة الأجزاء والمشار إليه بقولك : ( أنا ) غير متبدل ، فإني أعلم بالضرورة أني أنا الذي كنت موجوداً قبل هذا اليوم بعشرين سنة ، والمتبدل غير ما هو غير متبدل ، فإذاً ليست النفس عبارة عن هذه البنية ، وتقول : قال قوم إن النفس ليست بجسم لأنا قد نعقل المشار إليه بقوله : ( أنا ) حال ما أكون غافلاً عن الجسم الذي حقيقته المختص بالحيز الذاهب في الطول والعرض والعمق . والمعلوم مغاير لما ليس بمعلوم ، وجواب المعارضة بالنفس مذكور في كتابنا المسمى بلباب الإشارات ، وقال آخرون : بل هو جوهر جسماني لطيف صاف بعيد عن مشابهة الأجرام العنصرية نوراني سماوي مخالف بالماهية لهذه الأجسام السفلية ، فإذا صارت مشابكة لهذا البدن الكثيف صار البدن حياً وإن فارقته صار البدن ميتاً ، وعلى التقدير الأول يكون وصفها بالمجئ والرجوع بمعنى التدبير وتركه ، وعلى التقدير الثاني يكون ذلك الوصف حقيقاً . المسألة الرابعة : من القدماء من زعم أن النفوس أزلية ، واحتجوا بهذه الآية وهي قوله : * ( ارجعي إلى ربك ) * فإن هذا إنما يقال : لما كان موجوداً قبل هذا البدن . واعلم أن هذا الكلام يتفرع على أن هذا الخطاب متى يوجد ؟ وفيه وجهان الأول : أنه إنما يوجد عند الموت ، وههنا تقوى حجة القائلين بتقدم الأرواح على الأجساد ، إلا أنه لا يلزم من تقدمها عليها قدمها الثاني : أنه إنما يوجد عند البعث والقيامة ، والمعنى : ارجعي إلى ثواب ربك ، فادخلي في عبادي ، أي ادخلي في الجسد الذي خرجت منه .