فخر الدين الرازي

154

تفسير الرازي

وبين أن هذه الحالة لا تزول ولا تنقطع ، نعوذ بالله منها وههنا سؤالات : السؤال الأول : قال تعالى في سورة الحاقة : * ( فليس له اليوم ههنا حميم * ولا طعام إلا من غسلين ) * ( الحاقة : 36 , 35 ) وقال ههنا : * ( ليس لهم طعام إلا من ضريع ) * والضريع غير الغسلين والجواب : من وجهين الأول : أن النار دركات فمن أهل النار من طعامه الزقوم ، ومنهم من طعامه الغسلين ، ومنهم من طعامه الضريع ، ومنهم من شرابه الحميم ، ومنهم من شرابه الصديد ، لكل باب منهم جزء مقسوم الثاني : يحتمل أن يكون الغسلين من الضريع ويكون ذلك كقوله : مالي طعام إلا من الشاه ، ثم يقول : مالي طعام إلا من اللبن ، ولا تناقض لأن اللبن من الشاة . السؤال الثاني : كيف يوجد النبت في النار ؟ الجواب : من وجهين : الأول : ليس المراد أن الضريع نبت في النار يأكلونه ، ولكنه ضرب مثله ، أي إنهم يقتاتون بما لا يشبعهم أو يعذبون بالجوع كما يعذب من قوته الضريع الثاني : لم لا يجوز أن يقال : إن النبت يوجد في النار ؟ فإنه لما لم يستبعد بقاء بدن الإنسان مع كونه لحماً ودماً في النار أبد الآباد ، فكذا ههنا وكذا القول في سلاسل النار وأغلالها وعقاربها وحياتها . أما قوله تعالى : * ( لاَّ يُسْمِنُ وَلاَ يُغْنِى مِن جُوعٍ ) * . فهو مرفوع المحل أو مجروره على وصف طعام أو ضريع ، وأما المعنى ففيه ثلاثة أوجه : أحدها : أن طعامهم ليس من جنس مطاعم الإنس ، وذلك لأن هذا نوع من أنواع الشوك والشوك مما يرعاه الإبل ، وهذا النوع مما ينفر عنه الإبل ، فإذن منفعتا الغذاء منتفيتان عنه ، وهما إماطة الجوع وإفادة القوة والسمن في البدن وثانيها : أن يكون المعنى لا طعام لهم أصلاً لأن الضريع ليس بطعام للبهائم فضلاً عن الإنس لأن الطعام ما أشبع وأسمن وهو منهما بمعزل ، كما تقول : ليس لفلان ظل إلا الشمس تريد نفي الظل على التوكيد وثالثها : روي أن كفار قريش قالت : إن الضريع لتسمن عليه إبلنا ، فنزلت : * ( لا يسمن ولا يغني من جوع ) * فلا يخلو إما أن يتعنتوا بذلك الكلام كذباً فيرد قولهم بنفي السمن والشبع ، وإما أن يصدقوا فيكون المعنى أن طعامهم من ضريع ليس من جنس ضريعكم ، إنما هو من ضريع غير مسمن ولا مغن من جوع ، قال القاضي : يجب في كل طعامهم أن لا يغني من جوع لأن ذلك نفع ورأفة ، وذلك غير جائز في العقاب . * ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ ) * . اعلم أنه سبحانه لما ذكر وعيد الكفار ، أتبعه بشرح أحوال المؤمنين ، فذكر وصف أهل الثواب أولاً ، ثم وصف دار الثواب ثانياً أما وصف أهل الثواب فبأمرين أحدهما : في ظاهرهم ، وهو قوله : * ( ناعمة ) * أي ذات بهجة وحسن ، كقوله : * ( تعرف في وجوههم نضرة النعيم ) * ( المطففين : 24 ) أو متنعمة .