فخر الدين الرازي

138

تفسير الرازي

في المسألة الأولى أنه يمكن أن يكون الأمر وارداً بتسبيح الاسم ، ويمكن أن يكون المراد تسبيح المسمى وذكر الاسم صلة فيه . ويمكن أن يكون المراد سبح باسم ربك كما يقال : * ( فسبح باسم ربك العظيم ) * ( الواقعة : 74 ) ويكون المعنى سبح ربك بذكر أسمائه . المسألة الثالثة : روى عن عقبة بن عامر أنه لما نزل قوله تعالى : * ( فسبح باسم ربك العظيم ) * قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اجعلوها في ركوعكم " ولما نزل قوله : * ( سبح اسم ربك الأعلى ) * قال : " اجعلوها في سجودكم " ثم روي في الأخبار أنه عليه السلام كان يقول : في ركوعه : " سبحان ربي العظيم " وفي سجوده : " سبحان ربي الأعلى " ثم من العلماء من قال : إن هذه الأحاديث تدل على أن المراد من قوله : * ( سبح اسم ربك ) * أي صل باسم ربك ، ويتأكد هذا الاحتمال بإطباق المفسرين على أن قوله تعالى : * ( فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون ) * ( الروم : 17 ) ورد في بيان أوقات الصلاة . المسألة الرابعة : قرأ علي عليه السلام وابن عمر : سبحان ربي الأعلى * الذي خلق فسوى ولعل الوجه فيه أن قوله : * ( سبح ) * أمر بالتسبيح فلا بد وأن يذكر ذلك التسبيح وما هو إلا قوله : * ( سبحان ربي الأعلى ) * . المسألة الخامسة : تمسكت المجسمة في إثبات العلو بالمكان بقوله : * ( ربك الأعلى ) * والحق أن العلو بالجهة على الله تعالى محال ، لأنه تعالى إما أن يكون متناهياً أو غير متناه ، فإن كان متناهياً كان طرفه الفوقاني متناهياً ، فكان فوقه جهة فلا يكون هو سبحانه أعلى من جميع الأشياء وأما إن كان غير متناه فالقول : بوجود أبعاد غير متناهية محال وأيضاً فلأنه إن كان غير متناه من جميع الجهات يلزم أن تكون ذاته تعالى مختلطة بالقاذورات تعالى الله عنه ، وإن كان غير متناه من بعض الجهات ومتناهياً من بعض الجهات كان الجانب المتناهي مغايراً للجانب غير المتناهي فيكون مركباً من جزأين ، وكل مركب ممكن ، فواجب الوجود لذاته ممكن الوجود ، هذا محال . فثبت أن العلو ههنا ليس بمعنى العلو في الجهة ، مما يؤكد ذلك أن ما قبل هذه الآية وما بعدها ينافي أن يكون المراد هو العلو بالجهة ، أما قبل الآية فلأن العلو عبارة عن كونه في غاية البعد عن العالم ، وهذا لا يناسب استحقاق التسبيح والثناء والتعظيم ، أما العلو بمعنى كمال القدرة والتفرد بالتخليق والإبداع فيناسب ذلك ، والسورة ههنا مذكورة لبيان وصفه تعالى بما لأجله يستحق الحمد والثناء والتعظيم ، وأما ما بعد هذه الآية فلأنه أردف قوله : * ( الأعلى ) * بقوله : * ( الذي خلق فسوى ) * والخالقية تناسب العلو بحسب القدرة لا العلو بحسب الجهة . المسألة السادسة : من الملحدين من قال : بأن القرآن مشعر بأن للعالم ربين أحدهما عظيم والآخر أعلى منه ، أما العظيم فقوله : * ( فسبح باسم ربك العظيم ) * وأما الأعلى منه فقوله : * ( سبح اسم ربك الأعلى ) * فهذا يقتضي وجود رب آخر يكون هذا أعلى بالنسبة إليه . واعلم أنه لما دلت الدلائل على أن الصانع تعالى واحد سقط هذا السؤال ، ثم نقول ليس في