فخر الدين الرازي
122
تفسير الرازي
المسألة الأولى : يحتمل أن يكون المراد منه أصحاب الأخدود فقط ، ويحتمل أن يكون المراد كل من فعل ذلك وهذا أولى لأن اللفظ عام والحكم عام فالتخصيص ترك للظاهر من غير دليل . المسألة الثانية : أصل الفتنة الابتلاء والامتحان ، وذلك لأن أولئك الكفار امتحنوا أولئك المؤمنين وعرضوهم على النار وأحرقوهم ، وقال بعض المفسرين الفتنة هي الإحراق بالنار وقال ابن عباس ومقاتل : * ( فتنوا المؤمنين ) * حرقوهم بالنار ، قال الزجاج : يقال فتنت الشيء أحرقته والفتن أحجار سود كأنها محترقة ، ومنه قوله تعالى : * ( يوم هم على النار يفتنون ) * ( الذاريات : 13 ) . المسألة الثالثة : قوله تعالى : * ( ثم لم يتوبوا ) * يدل على أنهم لو تابوا لخرجوا عن هذا الوعيد وذلك يدل على القطع بأن الله تعالى يقبل التوبة ، ويدل على أن توبة القاتل عمداً مقبولة خلاف ما يروى عن ابن عباس . المسألة الرابعة : في قوله : * ( فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق ) * قولان : الأول : أن كلا العذابين يحصلان في الآخرة ، إلا أن عذاب جهنم وهو العذاب الحاصل بسبب كفرهم ، وعذاب الحريق هو العذاب الزائد على عذاب الكفر بسبب أنهم أحرقوا المؤمنين ، فيحتمل أن يكون العذاب الأول عذاب برد والثاني عذاب إحراق وأن يكون الأول عذاب إحراق والزائد على الإحراق أيضاً إحراق ، إلا أن العذاب الأول كأنه خرج عن أن يسمى إحراقاً بالنسبة إلى الثاني ، لأن الثاني قد اجتمع فيه نوعا الإحراق فتكامل جداً فكان الأول ضعيفاً ، فلا جرم لم يسم إحراقاً . القول الثاني : أن قوله : * ( فلهم عذاب جهنم ) * إشارة إلى عذاب الآخرة : * ( ولهم عذاب الحريق ) * إشارة إلى ما ذكرنا أن أولئك الكفار ارتفعت عليهم نار الأخدود فاحترقوا بها . * ( إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الاَْنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ ) * . اعلم أنه تعالى لما ذكر وعيد المجرمين ذكر وعد المؤمنين وهو ظاهر وفيه مسألتان : المسألة الأولى : إنما قال : * ( ذلك الفوز ) * ولم يقل تلك الدقيقة لطيفة وهي أن قوله : * ( ذلك ) * إشارة إلى إخبار الله تعالى بحصول هذه الجنات ، وقوله : * ( تلك ) * إشارة إلى الجنات وإخبار الله تعالى عن ذلك يدل على كونه راضياً والفوز الكبير هو رضا الله لا حصول الجنة . المسألة الثانية : قصة أصحاب الأخدود ولا سيما هذه الآية تدل على أن المكره على