فخر الدين الرازي

111

تفسير الرازي

الملائكة إياه فيها ، والمعنى لتركبن يا محمد السماوات طبقاً عن طبق ، وقد قال تعالى : * ( سبع سماوات طباقاً ) * ( الملك : 3 ) وقد فعل الله ذلك ليلة الإسراء ، وهذا الوجه مروي عن ابن عباس وابن مسعود وثالثها : لتركبن يا محمد درجة ورتبة بعد رتبة في القرب من الله تعالى . القول الثاني : في هذه القراءة ، أن هذه الآية في السماء وتغيرها من حال إلى حال ، والمعنى لتركبن السماء يوم القيامة حالة بعد حالة ، وذلك لأنها أولاً تنشق كما قال : * ( إذا السماء انشقت ) * ( الانشقاق : 1 ) ثم تنفطر كما قال : * ( إذا السماء انفطرت ) * ( الانفطار : 1 ) ثم تصير : * ( وردة كالدهان ) * ( الرحمن : 37 ) وتارة : * ( كالمهل ) * ( المعارج : 8 ) على ما ذكر الله تعالى هذه الأشياء في آيات من القرآن فكأنه تعالى لما ذكر في أول السورة أنها تنشق أقسم في آخر السورة أنها تنتقل من أحوال إلى أحوال ، وهذا الوجه مروي عن ابن مسعود . المسألة الثالثة : قوله تعالى : * ( عن طبق ) * أي بعد طبق كقول الشاعر : ما زلت أقطع منهلا عن منهل * حتى أنخت بباب عبد الواحد ووجه هذا أن الإنسان إذا صار من شيء إلى شيء آخر فقد صار إلى الثاني بعد الأول فصلحت بعد وعن معاقبة ، وأيضاً فلفظة عن تفيد البعد والمجاوزة فكانت مشابهة للفظة بعد . أما قوله تعالى : * ( فما لهم لا يؤمنون ) * ففيه مسألتان : المسألة الأولى : الأقرب أن المراد * ( فما لهم لا يؤمنون ) * بصحة البعث والقيامة لأنه تعالى حكى عن الكافر : * ( أنه ظن أن لن يحور ) * ( الانشقاق : 14 ) ثم أفتى سبحانه بأنه يحور فلما قال بعد ذلك : * ( فما لهم لا يؤمنون ) * دل على أن المراد : * ( فما لهم لا يؤمنون ) * بالبعث والقيامة ، ثم اعلم أن قوله : * ( فما لهم لا يؤمنون ) * استفهام بمعنى الإنكار ، وهذا إنما يحسن عند ظهور الحجة وزوال الشبهات ، الأمر ههنا كذلك ، وذلك لأنه سبحانه أقسم بتغييرات واقعة في الأفلاك والعناصر ، فإن الشفق حالة مخالفة لما قبلها وهو ضوء النهار ، ولما بعدها وهو ظلمة الليل ، وكذا قوله : * ( والليل وما وسق ) * فإنه يدل على حدوث ظلمة بعد نور ، وعلى تغير أحوال الحيوانات من اليقظة إلى النوم ، وكذا قوله : * ( والقمر إذا اتسق ) * فإنه يدل على حصول كمال القمر بعد أن كان ناقصاً ، إنه تعالى أقسم بهذه الأحوال المتغيرة على تغير أحوال الخلق ، وهذا يدل قطعاً على صحة القول بالبعث ، لأن القادر على تغيير الأجرام العلوية والسفلية من حال إلى حال وصفة إلى صفة بحسب المصالح ، لا بد وأن يكون في نفسه قادراً على جميع الممكنات عالماً بجميع المعلومات . ومن كان كذلك كان لا محالة قادراً على البعث والقيامة ، فلما كان ما قبل هذه الآية كالدلالة العقلية القاطعة على صحة البعث والقيامة لا جرم قال على سبيل الاستبعاد : * ( فما لهم لا يؤمنون ) * . المسألة الثانية : قال القاضي : لا يجوز أن يقول الحكيم فيمن كان عاجزاً عن الإيمان * ( فما لهم لا يؤمنون ) * فلما قال ذلك دل على كونهم قادرين ، وهذا يقتضي أن تكون الاستطاعة قبل الفعل ، وأن يكونوا موجدين لأفعالهم ، وأن لا يكون تعالى خالقاً للكفر فيهم . فهذه الآية من