فخر الدين الرازي

105

تفسير الرازي

القيامة وخامسها : قال الكسائي : إن الجواب في قوله : * ( فأما من أوتي كتابه ) * ( الانشقاق : 7 ) واعترض في الكلام قوله : * ( يا أيها الإنسان إنك كادح ) * والمعنى إذا السماء انشقت ، وكان كذا وكذا * ( فمن أوتي كتابه بيمينه ) * ( الإسراء : 71 ) فهو كذا ومن أوتي كتابه وراء ظهره فهو كذا ، ونظيره قوله تعالى : * ( فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ) * ( البقرة : 38 ) ، وسادسها : قال القاضي : إن الجواب ما دل عليه قوله : * ( إنك كادح ) * كأنه تعالى قال : يا أيها الإنسان ترى ما عملت فاكدح لذلك اليوم أيها الإنسان لتفوز بالنعيم أما قوله : * ( يا أيها الإنسان ) * ففيه قولان : الأول : أن المراد جنس الناس كما يقال : أيها الرجل ، وكلكم ذلك الرجل ، فكذا ههنا . وكأنه خطاب خص به كل واحد من الناس ، قال القفال : وهو أبلغ من العموم لأنه قائم مقام التخصيص على مخاطبة كل واحد منهم على التعيين بخلاف اللفظ العام فإنه لا يكون كذلك والثاني : أن المراد منه رجل بعينه ، وههنا فيه قولان : الأول : أن المراد به محمد صلى الله عليه وسلم والمعنى أنك تكدح في إبلاغ رسالات الله وإرشاد عباده وتحمل الضرر من الكفار ، فأبشر فإنك تلقى الله بهذا العمل وهو غير ضائع عنده الثاني : قال ابن عباس : هو أُبيّ بن خلف ، وكدحه جده واجتهاده في طلب الدنيا ، وإيذاء الرسول عليه السلام ، والإصرار على الكفر ، والأقرب أنه محمول على الجنس لأنه أكثر فائدة ، ولأن قوله : * ( فأما من أوتي كتابه بيمينه ) * ( الانشقاق : 7 ) * ( وأما من أوتي كتابه وراء ظهره ) * ( الانشقاق : 10 ) كالنوعين له ، وذلك لا يتم إلا إذا كان جنساً ، أما قوله : * ( إنك كادح ) * فاعلم أن الكدح جهد الناس في العمل والكدح فيه حتى يؤثر فيها من كدح جلده إذا خدشه ، أما قوله : * ( إلى ربك ) * ففيه ثلاثة أوجه أحدها : إنك كادح إلى لقاء ربك وهو الموت أي هذا الكدح يستمر ويبقى إلى هذا الزمان ، وأقول في هذا التفسير نكتة لطيفة ، وذلك لأنها تقتضي أن الإنسان لا ينفك في هذه الحياة الدنيوية من أولها إلى آخرها عن الكدح والمشقة والتعب ، ولما كانت كلمة إلى لانتهاء الغاية ، فهي تدل على وجوب انتهاء الكدح والمشقة بانتهاء هذه الحياة ، وأن يكون الحاصل بعد هذه الدنيا محض السعادة والرحمة ، وذلك معقول ، فإن نسبة الآخرة إلى الدنيا كنسبة الدنيا إلى رحم الأم ، فكما صح أن يقال : يا أيها الجنين إنك كادح إلى أن تنفصل من الرحم ، فكان ما بعد الانفصال عن الرحم بالنسبة إلى ما قبله خالصاً عن الكدح والظلمة فنرجوا من فضل الله أن يكون الحال فيما بعد الموت كذلك وثانيهما : قال القفال : التقدير إنك كادح في دنياك كدحاً تصير به إلى ربك فبهذا التأويل حسن استعمال حرف إلى ههنا وثالثها : يحتمل أن يكون دخول إلى علي معنى أن الكدح هو السعي ، فكأنه قال : ساع بعملك * ( إلى ربك ) * أما قوله تعالى : * ( فملاقيه ) * ففيه قولان : الأول : قال الزجاج : فملاق ربك أي ملاق حكمه لا مفر لك منه ، وقال آخرون : الضمير عائد إلى الكدح ، إلا أن الكدح عمل وهو عرض لا يبقى فملاقاته ممتنعة ، فوجب أن يكون المراد ملاقاة الكتاب الذي فيه بيان تلك الأعمال ، ويتأكد هذا التأويل بقوله بعد هذه الآية : * ( فأما من أوتي كتابه بيمينه ) * .