فخر الدين الرازي
97
تفسير الرازي
عليهم لأنهم يحسبونه تفضيلاً لهم على المؤمنين ، وهو في الحقيقة سبب لهلاكهم . ثم قال : * ( وَأُمْلِى لَهُمْ إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ ) * . أي أمهلهم كقوله : * ( إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً ) * ( آل عمران : 178 ) وأطيل لهم المدة والملاوة المدة من الدهر ، يقال : أملى الله له أي أطال الله له الملاوة والملوان الليل والنهار ، والملأ مقصوراً الأرض الواسعة سميت به لامتدادها . وقيل : * ( وأملي لهم ) * أي بالموت فلا أعاجلهم به ، ثم إنه إنما سمي إحسانه كيداً كما سماه استدراجاً لكون في صورة الكيد ، ووصفه بالمتانة لقوة أثر إحسانه في التسبب للهلاك ، واعلم أن الأصحاب تمسكوا بهذه الآية في مسألة إرادة الكائنات ، فقالوا : هذا الذي سماه بالاستدراج وذلك الكيد ، إما أن يكون له أثر في ترجيح جانب الفعل على جانب الترك ، أو يكون له فيه أثر ، والأول باطل ، وإلا لكان هو سائر الأشياء الأجنبية بمثابة واحدة ، فلا يكون استدراجاً البتة ولا كيداً ، وأما الثاني فهو يقتضي كونه تعالى مريداً لذلك الفعل الذي ينساق إليه ذلك الاستدراج وذلك الكيد ، لأنه إذا كان تعالى لا يزال يؤكد هذا الجانب ، ويفتر ذلك الجانب الآخر ، واعلم أن تأكيد هذا الجانب لا بد وأن ينساق بالآخرة إلى فعله ودخوله في الوجود ، فلا بد وأن يكون مريداً لدخول ذلك الفعل في الوجود وهو المطلوب ، أجاب الكعبي عنه فقال : المراد سنستدرجهم إلى الموت من حيث لا يعلمون ، وهذا هو الذي تقتضيه الحكمة فإنهم لو عرفوا الوقت الذي يموتون فيه لصاروا آمنين إلى ذلك الوقت ولأقدموا على المعاصي . وفي ذلك إغراء بالمعاصي ، وأجاب الجبائي عنه ، فقال : سنستدرجهم إلى العذاب من حيث لا يعلمون في الآخرة ، وأملي لهم في الدنيا توكيداً للحجة عليهم إن كيدي متين فأمهله وأزيح الأعذار عنه ليهلك من هلك عن بينة ويحيي من حي عن بينة فهذا هو المراد من الكيد المتين ، ثم قال : والذي يدل على أن المراد ما ذكرنا أنه تعالى قال قبل هذه الآية : * ( فذرني ومن يكذب بهذا الحديث ) * ( القلم : 44 ) ولا شك أن هذا التهديد إنما وقع بعقاب الآخرة ، فوجب أن يكون المراد من الاستدراج والكيد المذكورين عقيبه هو عذاب الآخرة ، أو العذاب الحاصل عند الموت ، واعلم أن أصحابنا قالوا الحرف الذي ذكرناه وهو : أن هذا الإمهال إذا كان متأدياً إلى الطغيان كان الراضي بالإمهال العالم بتأديه إلى الطغيان لا بد وأن يكون راضياً بذلك الطغيان ، واعلم أن قولهم : * ( سنستدرجهم - إلى قوله - إن كيدي متين ) * مفسر في سورة الأعراف . ثم قال تعالى : * ( أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ ) * . وهذه الآية مع ما بعدها مفسرة في سورة الطور ، وأقول : إنه أعاد الكلام إلى ما تقدم من قوله : * ( أم لهم شركاء ) * ( القلم : 41 ) والمغرم الغرامة أي لم يطلب منهم على الهداية والتعليم أجراً فيثقل عليهم حمل الغرامات في أموالهم فيثبطهم ذلك عن الإيمان .