فخر الدين الرازي

95

تفسير الرازي

ظاهره ، فهذا هو الذي لم يزل كل أحد من المتكلمين ( إلا ) قال به وعول عليه ، فأين هذه الدقائق ، التي استبد هو بمعرفتها والاطلاع عليها بواسطة علم البيان ، فرحم الله أمراً عرف قدره ، وما تجاوز طوره القول الثاني : وهو قول أبي سعيد الضرير : * ( يوم يكشف عن ساق ) * ، أي عن أصل الأمر ، وساق الشيء أصله الذي به قوامه كساق الشجر ، وساق الإنسان ، أي يظهر يوم القيامة حقائق الأشياء وأصولها القول الثالث : يوم يكشف عن ساق جهنم ، أو عن ساق العرش ، أو عن ساق ملك مهيب عظيم ، واللفظ لا يدل إلا على ساق ، فأما أن ذلك الساق ساق أي شيء هو فليس في اللفظ ما يدل عليه والقول الرابع : وهو اختيار المشبهة ، أنه ساق الله ، تعالى الله عنه روى عن ابن مسعود عنه عليه الصلاة والسلام : " أنه تعالى يتمثل للخلق يوم القيامة حين يمر المسلمون ، فيقول : من تعبدون ؟ فيقولون : نعبد الله فيشهدهم مرتين أو ثلاثاً ثم يقول : هل تعرفون ربكم ، فيقولون : سبحانه إذا عرفنا نفسه عرفناه ، فعند ذلك يكشف عن ساق ، فلا يبقى مؤمن إلا خر ساجداً ، ويبقى المنافقون ظهورهم كالطبق الواحد كأنما فيها السفافيد " واعلم أن هذا القول باطل لوجوه أحدها : أن الدلائل دلت على أن كل جسم محدث ، لأن كل جسم متناه ، وكل متناه محدث ولأن كل جسم فإنه لا ينفك عن الحركة والسكون ، وكل ما كان كذلك فهو محدث ، ولأن كل جسم ممكن ، وكل ممكن محدث وثانيها : أنه لو كان المراد ذلك لكان من حق الساق أن يعرف ، لأنها ساق مخصوصة معهودة عنده وهي ساق الرحمن ، أما لو حملناه على الشدة ، ففائدة التنكير الدلالة على التعظيم ، كأنه قيل : يوم يكشف عن شدة ، وأي شدة ، أي شدة لا يمكن وصفها وثالثها : أن التعريف لا يحصل بالكشف عن الساق ، وإنما يحصل بكشف الوجه القول الثاني : أن قوله : * ( يوم يكشف عن ساق ) * ليس المراد منه يوم القيامة ، بل هو في الدنيا ، وهذا قول أبي مسلم قال : أنه لا يمكن حمله على يوم القيامة لأنه تعالى قال في وصف هذا اليوم : * ( ويدعون إلى السجود ) * ويوم القيامة ليس فيه تعبد ولا تكليف ، بل المراد منه ، إما آخر أيام الرجل في دنياه كقوله تعالى : * ( يوم يرون الملائكة لا بشرى ) * ( الفرقان : 22 ) ثم إنه يرى الناس يدعون إلى الصلوات إذا حضرت أوقاتها ، وهو لا يستطيع الصلاة لأنه الوقت الذي لا ينفع نفساً إيمانها ، وإما حال الهرم والمرض والعجز وقد كانوا قبل ذلك اليوم يدعون إلى السجود وهم سالمون مما بهم الآن ، إما من الشدة النازلة بهم من هول ما عاينوا عند الموت أو من العجز والهرم ، ونظير هذه الآية قوله : * ( فلولا إذا بلغت الحلقوم ) * ( الواقعة : 83 ) واعلم أنه لا نزاع في أنه يمكن حمل اللفظ على ما قاله أبو مسلم ، فأما قوله : إنه لا يمكن حمله على القيامة بسبب أن الأمر بالسجود حاصل ههنا ، والتكاليف زائلة يوم القيامة فجوابه أن ذلك لا يكون على سبيل التكليف ، بل على سبيل التقريع والتخجيل ، فلم قلتم : إن ذلك غير جائز . المسألة الثالثة : قرىء : * ( يوم نكشف ) * بالنون و * ( تكشف ) * بالتاء المنقوطة من فوق على البناء للفاعل والمفعول جميعاً والفعل للساعة أو للحال ، أي يوم يشتد الحال أو الساعة ، كما تقول :