فخر الدين الرازي
93
تفسير الرازي
جاءت اللام كسرت ، وتخير الشيء واختاره ، أي أخذ خيره ونحوه تنخله وانتخله إذا أخذ منخوله . ثم قال تعالى : * ( أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ ) * . وفيه مسألتان : المسألة الأولى : يقال : لفلان على يمين بكذا إذا ضمنته منه وخلقت له على الوقاء به يعني أم ضمنا منكم وأقسمنا لكم بأيمان مغلظة متناهية في التوكيد . فإن قيل : إلى في قوله : * ( إلى يوم القيامة ) * بم يتعلق ؟ قلنا : فيه وجهان الأول : أنها متعلقة بقوله : * ( بالغة ) * أي هذه الأيمان في قوتها وكمالها بحيث تبلغ إلى يوم القيامة والثاني : أن يكون التقدير . أيمان ثابتة إلى يوم القيامة . ويكون معنى بالغة مؤكدة كما تقول جيدة بالغة ، وكل شيء متناه في الصحة والجودة فهو بالغ ، وأما قوله : * ( إن لكم لما تحكمون ) * فهو جواب القسم لأن معنى : * ( أم لكم أيمان علينا ) * أم أقسمنا لكم . المسألة الثانية : قرأ الحسن بالغة بالنصب وهو نصب على الحال من الضمير في الظرف . ثم قال للرسول عليه الصلاة والسلام : * ( سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذَالِكَ زَعِيمٌ ) * . والمعنى أيهم بذلك الحكم زعيم ، أي قائم به وبالاستدلال على صحته ، كما يقوم زعيم القوم بإصلاح أمورهم . ثم قال : * ( أَمْ لَهُمْ شُرَكَآءُ فَلْيَأتُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ إِن كَانُواْ صَادِقِينَ ) * . وفي تفسيره وجهان الأول : المعنى أم لهم أشياء يعتقدون أنها شركاء الله فيعتقدون أن أولئك الشركاء يجعلونهم في الآخرة مثل المؤمنين في الثواب والخلاص من العقاب ، وإنما أضاف الشركاء إليهم لأنهم جعلوها شركاء لله وهذا كقوله : * ( هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء ) * ( الروم : 40 ) ، الوجه الثاني : في المعنى أم لهم ناس يشاركونهم في هذا المذهب وهو التسوية بين المسلمين والمجرمين ، فليأتوا بهم إن كانوا صادقين في دعواهم ، والمراد بيان أنه كما ليس لهم دليل عقلي في إثبات هذا المذهب ، ولا دليل نقلي وهو كتاب يدرسونه ، فليس لهم من يوافقهم من العقلاء على هذا القول ، وذلك يدل على أنه باطل من كل الوجوه . واعلم أنه تعالى لما أبطل قولهم ، وأفسد مقالتهم شرح بعد ذلك عظمة يوم القيامة . * ( يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ ) * . فقال : * ( يوم يكشف عن ساق ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : يوم منصوب بماذا ؟ فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أنه منصوب ، بقوله : * ( فليأتوا ) * في قوله : * ( فليأتوا بشركائهم ) * ( القلم : 41 ) وذلك أن ذلك اليوم يوم شديد ، فكأنه تعالى قال :