فخر الدين الرازي
86
تفسير الرازي
المسألة الثالثة : قرىء : * ( أأن كان ) * على الاستفهام ، والتقدير : ألأن كان ذال مال كذب ، أو التقدير : أتطيعه لأن كان ذا مال . وروى الزهري عن نافع : إن كان بالكسر ، والشرط للمخاطب ، أي لا تطع كل حلاف شارطاً يساره ، لأنه إذا أطاع الكافر لغناه فكأنه اشترط في الطاعة الغنى ، ونظير صرف الشرط إلى المخاطب صرف الترجى إليه في قوله : * ( لعله يتذكر ) * ( طه : 44 ) . واعلم أنه تعالى لما حكى عنه قبائح أفعاله وأقواله قال متوعداً له : * ( سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ ) * . وفيه مسائل : المسألة الأولى : الوسم أثر الكية وما يشبهها ، يقال : وسمته فهو موسوم بسمة يعرف بها إما كية ، وإما قطع في أذن علامة له . المسألة الثانية : قال المبرد : الخرطوم ههنا الأنف ، وإنما ذكر هذا اللفظ على سبيل الاستخفاف به ، لأن التعبير عن أعضاء الناس بالأسماء الموضوعة ، لأشباه تلك الأعضاء من الحيوانات يكون استخفافاً ، كما يعبر عن شفاه الناس بالمشافر ، وعن أيديهم وأرجلهم بالأظلاف والحوافر . المسألة الثالثة : الوجه أكرم موضع في الجسد ، والأنف أكرم موضع من الوجه لارتفاعه عليه ، ولذلك جعلوه مكان العز والحمية ، واشتقوا منه الأنفة ، وقالوا : الأنف في الأنف وحمى أنفه ، وفلان شامخ العرنين ، وقالوا في الذليل : جدع أنفه ، ورغم أنفه ، فعبر بالوسم على الخرطوم عن غاية الإذلال والإهانة ، لأن السمة على الوجه شين ، فكيف على أكرم موضع من الوجه . المسألة الرابعة : منهم من قال : هذا الوسم يحصل في الآخرة ، ومنهم من قال : يحصل في الدنيا ، أما على القول الأول : ففيه وجوه أولها : وهو قول مقاتل وأبي العالية واختيار الفراء : أن المراد أنه يسود وجهه قبل دخول النار ، والخرطوم وإن كان قد خص بالسمة فإن المراد هو الوجه لأن بعض الوجه يؤدي عن بعض وثانيها : أن الله تعالى سيجعل له في الآخرة العلم الذي يعرف به أهل القيامة ، إنه كان غالياً في عداوة الرسول ، وفي إنكار الدين الحق وثالثها : أن في الآية احتمالاً آخر عندي ، وهو أن ذلك الكافر إنما بالغ في عداوة الرسول وفي الطعن في الدين الحق بسبب الأنفة والحمية ، فلما كان منشأ هذا الإنكار هو الأنفة والحمية كان منشأ عذاب الآخرة هو هذه الأنفة والحمية ، فعبر عن هذا الاختصاص بقوله : * ( سنسمه على الخرطوم ) * ، وأما على القول الثاني : وهو أن هذا الوسم إنما يحصل في الدنيا ففيه وجوه : أحدها : قال ابن عباس سنخطمه بالسيف فنجعل ذلك علامة باقية على أنفه ما عاش . وروي أنه قاتل يوم بدر فخطم بالسيف في القتال