فخر الدين الرازي
81
تفسير الرازي
أخرى وهي قوله : * ( لعلى خلق عظيم ) * وكلمة على للاستعلاء ، فدل اللفظ على أنه مستعمل على هذه الأخلاق ومستول عليها ، وأنه بالنسبة إلى هذه الأخلاق الجميلة كالمولى بالنسبة إلى العبد وكالأمير بالنسبة إلى المأمور . المسألة الثانية : الخلق ملكة نفسانية يسهل على المتصف بها الإتيان بالأفعال الجميلة . واعلم أن الإتيان بالأفعال الجميلة غير وسهولة الإتيان بها غير ، فالحالة التي باعتبارها تحصل تلك السهولة هي الخلق ويدخل في حسن الخلق التحرز من الشح والبخل والغضب ، والتشديد في المعاملات والتحبب إلى الناس بالقول والفعل ، وترك التقاطع والهجران والتساهل في العقود كالبيع وغيره والتسمح بما يلزم من حقوق من له نسب أو كان صهراً له وحصل له حق آخر . وروي عن ابن عباس أنه قال معناه : وإنك لعلى دين عظيم ، وروي أن الله تعالى قال له : " لم أخلق ديناً أحب إلي ولا أرضى عندي من هذا الدين الذي اصطفيته لك ولأمتك " يعني الإسلام ، واعلم أن هذا القول ضعيف ، وذلك لأن الإنسان له قوتان ، قوة نظرية وقوة عملية ، والدين يرجع إلى كمال القوة النظرية ، والخلق يرجع إلى كمال القوة العملية ، فلا يمكن حمل أحدهما على الآخر ، ويمكن أيضاً أن يجاب عن هذا السؤال من وجهين : الوجه الأول : أن الخلق في اللغة هو العادة سواء كان ذلك في إدراك أو في فعل الوجه الثاني : أنا بينا أن الخلق هو الأمر الذي باعتباره يكون الإتيان بالأفعال الجميلة سهلاً ، فلما كانت الروح القدسية التي له شديدة الاستعداد للمعارف الإلهية الحقة وعديمة الاستعداد لقبول العقائد الباطلة ، كانت تلك السهولة حاصلة في قبول المعارف الحقة ، فلا يبعد تسمية تلك السهول بالخلق . المسألة الثالثة : قال سعيد بن هشام : قلت لعائشة : " أخبريني عن خلق رسول الله ، قالت ألست قرأ القرآن ؟ قلت : بلى قالت : فإنه كان خلق النبي عليه الصلاة والسلام " وسئلت مرة أخرى فقالت : كان خلقه القرآن ، ثم قرأت : * ( قد أفلح المؤمنون ) * ( المؤمنون : 1 ) إلى عشرة آيات ، وهذا إشارة إلى أن نفسه المقدسة كانت بالطبع منجذبة إلى عالم الغيب ، وإلى كل ما يتعلق بها ، وكانت شديدة النفرة عن اللذات البدنية والسعادة الدنيوية بالطبع ومقتضى الفطرة ، اللهم ارزقنا شيئاً من هذه الحالة . وروى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت : " ما كان أحد أحسن خلقاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ما دعاه أحد من أصحابه ولا من أهل بيته إلا قال لبيك " فلهذا قال تعالى : * ( وإنك لعلى خلق عظيم ) * وقال أنس : " خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين ، فما قال لي في شئ فعلته لم فعلت ، ولا في شيء لم أفعله هلا فعلت " وأقول : إن الله تعالى وصف ما يرجع إلى قوته النظرية بأنه عظيم ، فقال : * ( وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيماً ) * ( النساء : 113 ) ووصف ما يرجع إلى قوته العملية بأنه عظيم فقال : * ( وإنك لعلى خلق عظيم ) * فلم يبق للإنسان بعد هاتين القوتين شيء ، فدل