فخر الدين الرازي
9
تفسير الرازي
وقال الفراء إنما حرم البيع والشراء إذا نودي للصلاة لمكان الاجتماع ولندرك له كافة الحسنات ، وقوله تعالى : * ( ذلكم خير لكم ) * أي في الآخرة * ( إن كنتم تعلمون ) * ما هو خير لكم وأصلح ، وقوله تعالى : * ( فإذا قضيت الصلاة ) * أي إذا صليتم الفريضة يوم الجمعة * ( فانتشروا في الأرض ) * هذا صيغة الأمر بمعنى الإباحة لما أن إباحة الانتشار زائلة بفرضية أداء الصلاة ، فإذا زال ذلك عادت الإباحة فيباح لهم أن يتفرقوا في الأرض ويبتغوا من فضل الله ، وهو الرزق ، ونظيره : * ( ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم ) * ( البقرة : 198 ) ، وقال ابن عباس : إذا فرغت من الصلاة فإن شئت فأخرج ، وإن شئت فصل إلى العصر ، وإن شئت فاقعد ، كذلك قوله : * ( وابتغوا من فضل الله ) * فإنه صيغة أمر بمعنى الإباحة أيضاً لجلب الرزق بالتجارة بعد المنع ، بقوله تعالى : * ( وذروا البيع ) * وعن مقاتل : أحل لهم ابتغاء الرزق بعد الصلاة ، فمن شاء خرج . ومن شاء لم يخرج ، وقال مجاهد : إن شاء فعل ، وإن شاء لم يفعل ، وقال الضحاك ، هو إذن من الله تعالى إذا فرغ ، فإن شاء خرج ، وإن شاء قعد ، والأفضل في الابتغاء من فضل الله أن يطلب الرزق ، أو الولد الصالح أو العلم النافع وغير ذلك من الأمور الحسنة ، والظاهر هو الأول ، وعن عراك بن مالك أنه كان إذا صلى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد ( و ) قال : اللهم أجبت دعوتك ، وصليت فريضتك ، وانتشرت كما أمرتني ، فارزقني من فضلك وأنت خير الرازقين ، وقوله تعالى : * ( واذكروا الله كثيراً ) * قال مقاتل : باللسان ، وقال سعيد بن جبير : بالطاعة ، وقال مجاهد : لا يكون من الذاكرين كثيراً حتى يذكره قائماً وقاعداً ومضطجعاً ، والمعنى إذا رجعتم إلى التجارة وانصرفتم إلى البيع والشراء مرة أخرى فاذكروا الله كثيراً ، قال تعالى : * ( رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ) * . وعن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : " إذا أتيتم السوق فقولوا لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير ، فإن من قالها كتب الله له ألف ألف حسنة وحط عنه ألف ألف خطيئة ورفع له ألف ألف درجة " وقوله تعالى : * ( لعلكم تفلحون ) * من جملة ما قد مر مراراً ، وفي الآية مباحث : البحث الأول : ما الحكمة في أن شرع الله تعالى في يوم الجمعة هذا التكليف ؟ فنقول : قال القفال : هي أن الله عز وجل خلق الخلق فأخرجهم من العدم إلى الوجود وجعل منهم جماداً ونامياً وحيواناً ، فكان ما سوى الجماد أصنافاً ، منها بهائم وملائكة وجن وإنس ، ثم هي مختلفة المساكن من العلو والسفل فكان أشرف العالم السفلي هم الناس لعجيب تركيبهم ، ولما كرمهم الله تعالى به من النطق ، وركب فيهم من العقول والطباع التي بها غاية التعبد بالشرائع ، ولم يخف موضع عظم المنة وجلالة قدر الموهبة لهم فأمروا بالشكر على هذه الكرامة في يوم من الأيام السبعة التي فيها أنشئت الخلائق وتم وجودها ، ليكون في اجتماعهم في ذلك اليوم تنبيه على عظم ما أنعم الله تعالى به عليهم ، وإذا كان شأنهم لم يخل من حين ابتدئوا من نعمة تتخللهم ، وإن منة الله مثبتة عليهم