فخر الدين الرازي

79

تفسير الرازي

بكل قلم ، وقيل : بل المراد ما يسطره الحفظة والكرام الكاتبون ، ويجوز أن يراد بالقلم أصحابه ، فيكون الضمير في * ( يسطرون ) * لهم ، كأنه قيل : وأصحاب القلم وسطرهم ، أي ومسطوراتهم . وأما إن حملنا القلم على ذلك القلم المعين ، فيحتمل أن يكون المراد بقوله : * ( وما يسطرون ) * أي وما يسطرون فيه وهو اللوح المحفوظ ، ولفظ الجمع في قوله : * ( يسطرون ) * ليس المراد منه الجمع بل التعظيم ، أو يكون المراد تلك الأشياء التي سطرت فيه من الأعمال والأعمار ، وجميع الأمور الكائنة إلى يوم القيامة . واعلم أنه تعالى لما ذكر المقسم به أتبعه بذكر المقسم عليه فقال : مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ * وَإِنَّ لَكَ لاََجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ * وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) * . اعلم أن قوله : * ( ما أنت بنعمة ربك بمجنون ) * فيه مسألتان : المسألة الأولى : روي عن ابن عباس أنه عليه السلام غاب عن خديجة إلى حراء ، فطلبته فلم تجده ، فإذا به وجهه متغير بلا غبار ، فقالت له مالك ؟ فذكر نزول جبريل عليه السلام وأنه قال له : * ( اقرأ باسم ربك ) * ( العلق : 1 ) فهو أول ما نزل من القرآن ، قال : ثم نزل بي إلى قرار الأرض فتوضأ وتوضأت ، ثم صلى وصليت معه ركعتين ، وقال : هكذا الصلاة يا محمد ، فذكر عليه الصلاة والسلام ذلك لخديجة ، فذهبت خديجة إلى ورقة بن نوفل ، وهو ابن عمها ، وكان قد خالف دين قومه ، ودخل في النصرانية ، فسألته فقال : أرسلي إليَّ محمداً ، فأرسلته فأتاه فقال له : هل أمرك جبريل عليه السلام أن تدعو إلى الله أحداً ؟ فقال : لا ، فقال : والله لئن بقيت إلى دعوتك لأنصرنك نصراً عزيزاً ، ثم مات قبل دعاء الرسول ، ووقعت تلك الواقعة في ألسنة كفار قريش فقالوا : إنه لمجنون ، فأقسم الله تعالى على أنه ليس بمجنون ، وهو خمس آيات من أول هذه السورة ، ثم قال ابن عباس : وأول ما نزل قوله : * ( سبح اسم ربك ) * ( الأعلى : 1 ) وهذه الآية هي الثانية . المسألة الثانية : قال الزجاج : * ( أنت ) * هو اسم * ( ما ) * و * ( بمجنون ) * الخبر ، وقوله : * ( بنعمة ربك ) * كلام وقع في البين والمعنى انتفى عنك الجنون بنعمة ربك كما يقال : أنت بحمد الله عاقل ، وأنت بحمد الله لست بمجنون ، وأنت بنعمة الله فهم ، وأنت بنعمة الله لست بفقير ، ومعناه أن تلك الصفة المحمودة إنما حصلت ، والصفة المذمومة إنما زالت بواسطة إنعام الله ولطفه وإكرامه ، وقال عطاء وابن عباس : يريد بنعمة ربك عليك بالإيمان والنبوة ، وهو جواب لقولهم : * ( يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون ) * ( الحجر : 6 ) واعلم أنه تعالى وصفه ههنا بثلاثة أنواع من الصفات .