فخر الدين الرازي
76
تفسير الرازي
قوله تعالى * ( قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِىَ اللَّهُ وَمَن مَّعِىَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَن يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ) * . اعلم أن هذا الجواب هو من النوع الثاني مما قاله الكفار لمحمد صلى الله عليه وسلم حين خوفهم بعذاب الله ، يروى أن كفار مكة كانوا يدعون على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين بالهلاك ، كما قال تعالى : * ( أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون ) * ( الطور : 30 ) وقال : * ( بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبداً ) * ( الفتح : 12 ) ثم إنه تعالى أجاب عن ذلك من وجهين الوجه الأول : هو هذه الآية ، والمعنى قل لهم : إن الله تعالى سواء أهلكني بالإماتة أو رحمني بتأخير الأجل ، فأي راحة لكم في ذلك ، وأي منفعة لكم فيه ، ومن الذي يجيركم من عذاب الله إذا نزل بكم ، أتظنون أن الأصنام تجيركم أو غيرها ، فإذا علمتم أن لا مجير لكم فهلا تمسكتم بما يخلصكم من العذاب وهو العلم بالتوحيد والنبوة والبعث . الوجه الثاني : في الجواب قوله تعالى : * ( قُلْ هُوَ الرَّحْمَانُ ءَامَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِى ضَلَالٍ مُّبِينٍ ) * . والمعنى أنه الرحمن آمنا به وعليه توكلنا فيعلم أنه لا يقبل دعاءكم وأنتم أهل الكفر والعناد في حقنا ، مع أنا آمنا به ولم نكفر به كما كفرتم ، ثم قال : * ( وعليه توكلنا ) * لا على غيره كما فعلتم أنتم حيث توكلتم على رجالكم وأموالكم ، وقرئ * ( فستعلمون ) * على المخاطبة ، وقرئ بالياء ليكون على وفق قوله : * ( فمن يجير الكافرين ) * ( الكافرين : 28 ) . واعلم أنه لما ذكر أنه يجب أن يتوكل عليه لا على غيره ، ذكر الدليل عليه . فقال تعالى : * ( قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَآءٍ مَّعِينٍ ) * . والمقصود أن يجعلهم مقرين ببعض نعمه ليريهم قبح ما هم عليه من الكفر ، أي أخبروني إن صار ماؤكم ذاهباً في الأرض فمن يأتيكم بماء معين ، فلا بد وأن يقولوا : هو الله ، فيقال لهم حينئذ : فلم تجعلون من لا يقدر على شيء أصلاً شريكاً له في المعبودية ؟ وهو كقوله : * ( أفرأيتم الماء الذي تشربون * أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون ) * ( الواقعة : 68 ، 69 ) وقوله : * ( غوراً ) * أي غائراً ذاهباً في الأرض يقال : غار الماء يغور غوراً ، إذا نضب وذهب في الأرض ، والغور ههنا بمعنى الغائر سمي بالمصدر كما يقال : رجل عدل ورضا ، والمعين الظاهر الذي تراه العيون فهو من مفعول العين كمبيع ، وقيل : المعين الجاري من العيون من الإمعان في الجري كأنه قيل : ممعن في الجري ، والله سبحانه وتعالى أعلم ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .