فخر الدين الرازي
71
تفسير الرازي
* ( ولقد كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نكِيرِ ) * . يعني عاداً وثمود وكفار الأمم ، وفيه وجهان أحدهما : قال الواحدي : * ( فكيف كان نكير ) * أي إنكاري وتغييري ، أليس وجدوا العذاب حقاً والثاني : قال أبو مسلم : النكير عقاب المنكر ، ثم قال : وإنما سقط الياء من نذيري ، ومن نكيري حتى تكون مشابهة لرؤوس الآي المتقدمة عليها ، والمتأخرة عنها . وأما البرهان فهو أنه تعالى ذكر ما يدل على كمال قدرته ، ومتى ثبت ذلك ثبت كونه تعالى قادراً على إيصال جميع أنواع العذاب إليهم ؛ وذلك البرهان من وجوه : * ( أَوَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمَانُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ بَصِيرٌ ) * . البرهان الأول : هو قوله تعالى : * ( أو لم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ) * . * ( صافات ) * أي باسطات أجنحتهن في الجو عند طيرانها * ( ويقبضن ) * ويضممنها إذا ضربن بها جنوبهن . فإن قيل لم قال : * ( ويقبضن ) * ولم يقل وقابضات ، قلنا : لأن الطيران في الهواء كالسباحة في الماء ، والأصل في السباحة مد الأطراف وبسطها وأما القبض فطارئ على البسط للاستظهار به على التحرك ، فجيء بما هو طارئ غير أصلي بلفظ الفعل على معنى أنهن صافات ، ويكون منهن القبض تارة بعد تارة ، كما يكون من السابح . ثم قال تعالى : * ( ما يمسكهن إلا الرحمن ) * وذلك لأنها مع ثقلها وضخامة أجسامها لم يكن بقاؤها في جو الهواء إلا بإمساك الله وحفظه ، وههنا سؤالان : السؤال الأول : هل تدل هذه الآية على أن الأفعال الاختيارية للعبد مخلوقة لله ، قلنا : نعم ، وذلك لأن استمساك الطير في الهواء فعل اختياري للطير . ثم إنه تعالى قال : * ( ما يمسكهن إلا الرحمن ) * فدل هذا على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى . السؤال الثاني : أنه تعالى قال في النحل ( 79 ) : * ( ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله ) * وقال ههنا : * ( ما يمسكهن إلا الرحمن ) * فما الفرق ؟ قلنا : ذكر في النحل أن الطير مسخرات في جو السماء فلا جرم كان إمساكها هناك محض الإلهية ، وذكر ههنا أنها صافات وقابضات ، فكان إلهامها إلى كيفية البسط ، والقبض على الوجه المطابق للمنفعة من رحمة الرحمن . ثم قال تعالى : * ( إنه بكل شيء بصير ) * وفيه وجهان الوجه الأول : المراد من البصير ، كونه عالماً بالأشياء الدقيقة ، كما يقال : فلان بصر في هذا الأمر ، أي حذق والوجه الثاني : أن نجري اللفظ على ظاهره فنقول : إنه تعالى شيء ، والله بكل شيء بصير ، فيكون رائياً لنفسه ولجميع الموجودات ، وهذا هو الذي يقوله أصحابنا من أنه تعالى يصح أن يكون مرئياً وأن كل