فخر الدين الرازي
69
تفسير الرازي
تعالى جعلها لينة بحيث يمكن حفرها ، وبناء الأبنية منها كما يراد ، ولو كانت حجرية صلبة لتعذر ذلك وثالثها : أنها لو كانت حجرية ، أو كانت مثل الذهب أو الحديد ، لكانت تسخن جداً في الصيف ، وكانت تبرد جداً في الشتاء ، ولكانت الزراعة فيها ممتنعة ، والغراسة فيها متعذرة ، ولما كانت كفاتاً للأموات والأحياء ورابعها : أنه تعالى سخرها لنا بأن أمسكها في جو الهواء ، ولو كانت متحركة على الاستقامة ، أو على الاستدارة لم تكن منقادة لنا . المسألة الثالثة : قوله : * ( فامشوا في مناكبها ) * أمر إباحة ، وكذا القول في قوله : * ( وكلوا من رزقه ) * . المسألة الرابعة : ذكروا في مناكب الأرض وجوهاً أحدها : قال صاحب " الكشاف " : المشي في مناكبها مثل لفرط التذليل ، لأن المنكبين وملتقاهما من الغارب أرق شيء من البعير ، وأبعده من إمكان المشي عليه ، فإذا صار البعير بحيث يمكن المشي على منكبه ، فقد صار نهاية في الانقياد والطاعة ، فثبت أن قوله : * ( فامشوا في مناكبها ) * كناية عن كونها نهاية في الذلولية وثانيها : قول قتادة والضحاك وابن عباس : إن مناكب الأرض جبالها وآكامها ، وسميت الجبال مناكب ، لأن مناكب الإنسان شاخصة والجبال أيضاً شاخصة ، والمعنى أني سهلت عليكم المشي في مناكبها ، وهي أبعد أجزائها عن التذليل ، فكيف الحال في سائر أجزائها وثالثها : أن مناكبها هي الطرق ، والفجاج والأطراف والجوانب وهو قول الحسن ومجاهد والكلبي ومقاتل ، ورواية عطاء عن ابن عباس ، واختيار الفراء ، وابن قتيبة قال : مناكبها جوانبها ، ومنكبا الرجل جانباه ، وهو كقوله تعالى : * ( والله جعل لكم الأرض بساطاً * لتسلكوا منها سبلاً فجاجاً ) * ( نوح : 19 ، 20 ) أما قوله : * ( وكلوا من رزقه ) * أي مما خلقه الله رزقاً لكم في الأرض : * ( وإليه النشور ) * يعني ينبغي أن يكون مكثكم في الأرض ، وأكلكم من رزق الله مكث من يعلم أن مرجعه إلى الله ، وأكل من يتيقن أن مصيره إلى الله ، والمراد تحذيرهم عن الكفر والمعاصي في السر والجهر ، ثم إنه تعالى بين أن بقاءهم مع هذه السلامة في الأرض إنما كان بفضل الله ورحمته ، وأنه لو شاء لقلب الأمر عليهم ، ولأمطر عليهم من سحاب القهر مطر الآفات . فقال تقريراً لهذا المعنى : * ( أَءَمِنتُمْ مَّن فِى السَّمَآءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الاَْرْضَ فَإِذَا هِىَ تَمُورُ ) * . واعلم أن هذه الآيات نظيرها قوله تعالى : * ( قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجلكم ) * ( الأنعام : 65 ) وقال : * ( فخسفنا به وبداره الأرض ) * ( القصص : 81 ) . واعلم أن المشبهة احتجوا على إثبات المكان لله تعالى بقوله : * ( أأمنتم من في السماء ) * ، والجواب عنه أن هذه الآية لا يمكن إجراؤها على ظاهرها باتفاق المسلمين ، لأن كونه في السماء يقتضي كون السماء محيطاً به من جميع الجوانب ، فيكون أصغر من السماء ، والسماء أصغر من العرش