فخر الدين الرازي

59

تفسير الرازي

الحسر والحسور الإعياء ، وذكر الواحدي ههنا احتمالين أحدهما : أن يكون الحسير مفعولاً من حسر العين بعد المرئي ، قال رؤبة : يحسر طرف عيناه فضا ( c ) الثاني : قول الفراء : أن يكون فاعلاً من الحسور الذي هو الإعياء ، والمعنى أنه وإن كرر النظر وأعاده فإنه لا يجد عيباً ولا فطوراً ، بل البصر يرجع خاسئاً من الكلال والإعياء ، وههنا سؤالان : السؤال الأول : كيف ينقلب البصر خاسئاً حسيراً برجعه كرتين اثنتين الجواب : التثنية للتكرار بكثرة كقولهم : لبيك وسعديك يريد إجابات متوالية . السؤال الثاني : فما معنى * ( ثم ارجع ) * الجواب : أمره برجع البصر ثم أمره بأن لا يقنع بالرجعة الأولى ، بل أن يتوقف بعدها ويجم بصره ثم يعيده ويعاوده إلى أن يحسر بصره من طول المعاودة فإنه لا يعثر على شيء من فطور . * ( وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَآءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِّلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ ) * . اعلم أن هذا هو الدليل الثاني على كونه تعالى قادراً عالماً ، وذلك لأن هذه الكواكب نظراً إلى أنها محدثة ومختصة بمقدار خاص ، وموضع معين ، وسير معين ، تدل على أن صانعها قادر ونظراً إلى كونها محكمة متقنة موافقة لمصالح العباد من كونها زينة لأهل الدنيا ، وسبباً لانتفاعهم بها ، تدل على أن صانعها عالم ، ونظير هذه الآية في سورة الصفات * ( إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب وحفظاً من كل شيطان مارد ) * ( الصافات : 7 ) وههنا مسائل . المسألة الأولى : * ( السماء الدنيا ) * القربى ، وذلك لأنها أقرب السماوات إلى الناس ومعناها السماء الدنيا من الناس ، والمصابيح السرج سميت بها الكواكب ، والناس يزينون مساجدهم ودورهم بالمصابيح ، فقيل : ولقد زينا سقف الدار التي اجتمعتم فيها بمصابيح أي بمصابيح لا توازيها مصابيحكم إضاءة ، أما قوله تعالى : * ( وجعلناها رجوماً للشياطين ) * فاعلم أن الرجوم جمع رجم ، وهو مصدر سمي به ما يرجم به ، وذكروا في معرض هذه الآية وجهين : الوجه الأول أن الشياطين إذا أرادوا استراق السمع رجموا بها ، فإن قيل : جعل الكواكب زينة للسماء يقتضي بقاءها واستمرارها وجعلها رجوماً للشياطين ورميهم بها يقتضي زوالها والجمع بينهما متناقض ، قلنا : ليس معنى رجم الشياطين هو أنهم يرمون بأجرام الكواكب ، بل يجوز أن ينفصل من الكواكب شعل ترمى الشياطين بها ، وتلك الشعل هي الشهب ، وما ذاك إلا قبس يؤخذ من نار والنار