فخر الدين الرازي

48

تفسير الرازي

عنه بأنه تعالى وعد أهل الإيمان بأن لا يخزيهم ، والذين آمنوا ابتداء كلام ، وخبره * ( يسعى ) * ، أو * ( لا يخزي الله ) * ، ثم من أهل السنة من يقف على قوله : * ( يوم لا يخزي الله النبي ) * أي لا يخزيه في رد الشفاعة ، والإخزاء الفضيحة ، أي لا يفضحهم بين يدي الكفار ، ويجوز أن يعذبهم على وجه لا يقف عليه الكفرة ، وقوله : * ( بين أيديهم ) * أي عند المشي * ( وبأيمانهم ) * عند الحساب ، لأنهم يؤتون الكتاب بأيمانهم وفيه نور وخير ، ويسعى النور بين أيديهم في موضع وضع الأقدام وبأيمانهم ، لأن خلفهم وشمالهم طريق الكفرة . وقوله تعالى : * ( يقولون ربنا أتمم لنا نورنا ) * قال ابن عباس : يقولون ذلك عند إطفاء نور المنافقين إشفاقاً ، وعن الحسن : أنه تعالى متمم لهم نورهم ، ولكنهم يدعون تقرباً إلى حضرة الله تعالى ، كقوله : * ( واستغفر لذنبك ) * ( محمد : 19 ) وهو مغفور ، وقيل : أدناهم منزلة من نوره بقدر ما يبصر مواطئ قدمه ، لأن النور على قدر الأعمال فيسألون إتمامه ، وقيل : السابقون إلى الجنة يمرون مثل البرق على الصراط ، وبعضهم كالريح ، وبعضهم حبواً وزحفاً ، فهم الذين يقولون : * ( ربنا أتمم لنا نورنا ) * قاله في " الكشاف " ، وقوله تعالى : * ( يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين ) * ذكر المنافقين مع أن لفظ الكفار يتناول المنافقين * ( واغلظ عليهم ) * أي شدد عليهم ، والمجاهدة قد تكون بالقتال ، وقد تكون بالحجة تارة باللسان ، وتارة بالسنان ، وقيل : جاهدهم بإقامة الحدود عليهم ، لأنهم هم المرتكبون الكبائر ، لأن أصحاب الرسول عصموا منها * ( ومأواهم جهنم ) * وقد مر بيانه ، وفي الآية مباحث : البحث الأول : كيف تعلق * ( يا أيها الذين آمنوا ) * بما سبق وهو قوله : * ( يا أيها الذين كفروا ) * ( التحريم : 7 ) ؟ فنقول : نبههم تعالى على دفع العذاب في ذلك اليوم بالتوبة في هذا اليوم ، إذ في ذلك اليوم لا تفيد وفيه لطيفة : وهي أن التنبيه على الدفع بعد الترهيب فيما مضى يفيد الترغيب بذكر أحوالهم والإنعام في حقهم وإكرامهم . البحث الثاني : أنه تعالى لا يخزي النبي في ذلك اليوم ولا الذين آمنوا ، فما الحاجة إلى قوله * ( معه ) * ؟ فنقول : هي إفادة الاجتماع ، يعني لا يخزي الله المجموع الذي يسعى نورهم وهذه فائدة عظيمة ، إذ الاجتماع بين الذين آمنوا وبين نبيهم تشريف في حقهم وتعظيم . البحث الثالث : قوله : * ( واغفر لنا ) * يوهم أن الذنب لازم لكل واحد من المؤمنين والذنب لا يكون لازماً ، فنقول : يمكن أن يكون طلب المغفرة لما هو اللازم لكل ذنب ، وهو التقصير في الخدمة والتقصير لازم لكل واحد من المؤمنين . البحث الرابع : قال تعالى في أول السورة : * ( يا أيها النبي لم تحرم ) * ( التحريم : 1 ) ومن بعده * ( يا أيها النبي جاهد الكفار ) * خاطبه بوصفه وهو النبي لا باسمه كقوله لآدم يا آدم ، ولموسى يا موسى ولعيسى يا عيسى ، نقول : خاطبه بهذا الوصف ، ليدل على فضله عليهم وهذا ظاهر .