فخر الدين الرازي
37
تفسير الرازي
فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن ) * وهذا بيان حكم المطلقة البائنة ، لأن الرجعية تستحق النفقة ، وإن لم تكن حاملاً ، وإن كانت مطلقة ثلاثاً أو مختلعة فلا نفقة لها إلا أن تكون حاملاً ، وعند مالك والشافعي ، ليس للمبتوتة إلا السكنى ولا نفقة لها ، وعن الحسن وحماد لا نفقة لها ولا سكنى ، لحديث فاطمة بنت قيس أن زوجها بت طلاقها ، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم لا سكنى لك ولا نفقة . وقوله : * ( فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن ) * يعني حق الرضاع وأجرته وقد مر ، وهو دليل على أن اللبن وإن خلق لمكان الولد فهو ملك لها وإلا لم يكن لها أن تأخذ الأجر ، وفيه دليل على أن حق الرضاع والنفقة على الأزواج في حق الأولاد وحق الإمساك والحضانة والكفالة على الزوجات وإلا لكان لها بعض الأجر دون الكل ، وقوله تعالى : * ( وائتمروا بينكم بمعروف ) * قال عطاء : يريد بفضل معروفاً منك ، وقال مقاتل : بتراضي الأب والأم ، وقال المبرد : ليأمر بعضكم بعضاً بالمعروف ، والخطاب للأزواج من النساء والرجال ، والمعروف ههنا أن لا يقصر الرجل في حق المرأة ونفقتها ولا هي في حق الولد ورضاعه وقد مر تفسير الائتمار ، وقيل : الائتمار التشاور في إرضاعه إذا تعاسرت هي ، وقوله تعالى : * ( وإن تعاسرتم ) * أي في الأجرة : * ( فسترضع له أخرى ) * غير الأم ، ثم بين قدر الإنفاق بقوله : * ( لينفق ذو سعة من سعته ) * أمر أهل التوسعة أن يوسعوا على نسائهم المرضعات على قدر سعتهم ومن كان رزقه بمقدار القوت فلينفق على مقدار ذلك ، ونظيره : * ( على الموسع قدره وعلى المقتر قدره ) * ( البقرة : 236 ) وقوله تعالى : * ( لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها ) * أي ما أعطاها من الرزق ، قال السدي : لا يكلف الفقير مثل ما يكلف الغني ، وقوله : * ( سيجعل الله بعد عسر يسراً ) * أي بعد ضيق وشدة غنى وسعة ورخاء وكان الغالب في ذلك الوقت الفقر والفاقة ، فأعلمهم الله تعالى أن يجعل بعد عسر يسراً وهذا كالبشارة لهم بمطلوبهم ، ثم في الآية مباحث : الأول : إذا قيل : ( من ) في قوله : * ( من حيث سكنتم ) * ما هي ؟ نقول : هي التبعيضية أي بعض مكان سكناكم إن لم يكن ( لكم ) غير بيت واحد فأسكنوها في بعض جوانبه . الثاني : ما موقع * ( من وجدكم ) * ؟ نقول : عطف بيان لقوله : * ( من حيث سكنتم ) * وتفسير له ، أي مكاناً من مسكنكم على قدر طاقتكم . الثالث : فإذا كانت كل مطلقة عندكم يجب لها النفقة ، فما فائدة الشرط في قوله تعالى : * ( وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن ) * نقول : فائدته أن مدة الحمل ربما طال وقتها ، فيظن أن النفقة تسقط إذا مضى مقدار مدة الحمل ، فنفى ذلك الظن . ثم قال تعالى : * ( وَكَأِيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً وَعَذَّبْنَاهَا