فخر الدين الرازي

34

تفسير الرازي

هو أن يراجعها في آخر العدة ، ثم يطلقها تطويلاً للعدة وتعذيباً لها . وقوله تعالى : * ( وأشهدوا ذوي عدل منكم ) * أي أمروا أن يشهدوا عند الطلاق وعند الرجعة ذوي عدل ، وهذا الإشهاد مندوب إليه عند أبي حنيفة كما في قوله : * ( وأشهدوا إذا تبايعتم ) * ( البقرة : 282 ) وعند الشافعي هو واجب في الرجعة مندوب إليه في الفرقة ، وقيل : فائدة الإشهاد أن لا يقع بينهما التجاحد ، وأن لا يتهم في إمساكها ولئلا يموت أحدهما فيدعي الباقي ثبوت الزوجية ليرث ، وقيل : الإشهاد إنما أمروا به للاحتياط مخافة أن تنكر المرأة المراجعة فتنقضي العدة فتنكح زوجاً . ثم خاطب الشهداء فقال : * ( وأقيموا الشهادة ) * وهذا أيضاً مر تفسيره ، وقوله : * ( ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ) * قال الشعبي : من يطلق للعدة يجعل الله له سبيلاً إلى الرجعة ، وقال غيره : مخرجاً من كل أمر ضاق على الناس ، قال الكلبي : ومن يصبر على المصيبة يجعل الله له مخرجاً من النار إلى الجنة ، وقرأها النبي صلى الله عليه وسلم فقال : مخرجاً من شبهات الدنيا ومن غمرات الموت ، ومن شدائد يوم القيامة ، وقال أكثر أهل التفسير : أنزل هذا وما بعده في عوف بن مالك الأشجعي أسر العدو ابناً له فأتى النبي صلى الله عليه وسلم ، وذكر له ذلك وشكا إليه الفاقة فقال له : " اتق الله واصبر وأكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله " ففعل الرجل ذلك فبينما هو في بيته إذ أتاه ابنه ، وقد غفل عنه العدو ، فأصاب إبلاً وجاء بها إلى أبيه ، وقال صاحب " الكشاف " : فبينا هو في بيته ، إذ قرع ابنه الباب ومعه مائة من الإبل غفل عنها العدو فاستاقها ، فذلك قوله : ويرزقه من حيث لا يحتسب ويجوز أنه إن اتقى الله وآثر الحلال والصبر على أهله فتح الله عليه إن كان ذا ضيق * ( ويرزقه من حيث لا يحتسب ) * وقال في " الكشاف " : * ( ومن يتق الله ) * جملة اعتراضية مؤكدة لما سبق من إجراء أمر الطلاق على السنة كما مر . وقوله تعالى : * ( ومن يتوكل على الله فهو حسبه ) * أي من وثق به فيما ناله كفاه الله ما أهمه ، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أحب أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله " وقرئ : * ( إن الله بالغ أمره ) * بالإضافة * ( وبالغ أمره ) * أي نافذ أمره ، وقرأ المفضل * ( بالغاً أمره ) * ، على أن قوله * ( قد جعل ) * خبر * ( إن ) * ، و * ( بالغاً * ( حال . قال ابن عباس يريد في جميع خلقه والمعنى سيبلغ الله أمره فيما يريد منكم و * ( قد جعل الله لكل شيء قدراً ) * أي تقديراً وتوقيتاً ، وهذا بيان لوجوب التوكل على الله تعالى وتفويض الأمر إليه ، قال الكلبي ومقاتل : لكل شيء من الشدة والرخاء أجل ينتهي إليه قدر الله تعالى ذلك كله لا يقدم ولا يؤخر . وقال ابن عباس : يريد قدرت ما خلقت بمشيئتي ، وقوله : * ( فإذا بلغن أجلهن ) * إلى قوله : * ( مخرجاً ) * آية ومنه إلى قوله : * ( قدراً ) * آية أخرى عند الأكثر ، وعند الكوفي والمدني المجموع آية واحدة ثم في هذه الآية لطيفة : وهي أن التقوي في رعاية أحوال النساء مفتقرة إلى المال ، فقال تعالى : * ( ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ) * وقريب من هذا قوله : * ( إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله ) * ( النور : 32 ) فإن قيل : * ( ومن يتوكل على الله فهو حسبه ) * يدل على عدم الاحتياج للكسب في طلب الرزق ، وقوله تعالى :