فخر الدين الرازي

284

تفسير الرازي

المسألة الأولى : قال ابن عباس رضي الله عنهما قوله : * ( وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون ) * المراد به الصلاة ، وهذا ظاهر لأن الركوع من أركانها ، فبين تعالى أن هؤلاء الكفار من صفتهم أنهم إذا دعوا إلى الصلاة لا يصلون ، وهذا يدل على أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع ، وأنهم حال كفرهم كما يستحقون الذم والعقاب بترك الإيمان ، فكذلك يستحقون الذم والعقاب بترك الصلاة لأن الله تعالى ذمهم حال كفرهم على ترك الصلاة ، وقال قوم آخرون : المراد بالركوع الخضوع والخشوع لله تعالى ، وأن لا يعبد سواه . المسألة الثانية : القائلون بأن الأمر للوجوب استدلوا بهذه الآية ، لأنه تعالى ذمهم بمجرد ترك المأمور به ، وهذا يدل على أن مجرد الأمر للوجوب ، فإن قيل : إنهم كفار فلكفرهم ذمهم ؟ قلنا : إنه تعالى ذمهم على كفرهم من وجوه كثيرة ، إلا أنه تعالى إنما ذمهم في هذه الآية لأنهم تركوا المأمور به ، فعلمنا أن ترك المأمور به غير جائز . * ( فَبِأَىِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ) * . اعلم أنه تعالى لما بالغ في زجر الكفار من أول هذه السورة إلى آخرها بالوجوه العشرة التي شرحناها ، وحث على التمسك بالنظر والاستدلال والانقياد للدين الحق ختم السورة بالتعجب من الكفار ، وبين أنهم إذا لم يؤمنوا بهذه الدلائل اللطيفة مع تجليها ووضوحها * ( فبأي حديث بعده يؤمنون ) * قال القاضي : هذه الآية تدل على أن القرآن محدث لأنه تعالى وصفه بأنه حديث ، والحديث ضد القديم والضدان لا يجتمعان ، فإذا كان حديثاً وجب أن لا يكون قديماً ، وأجاب الأصحاب أن المراد منه هذه الألفاظ ولا نزاع في أنها محدثة ، والله تعالى أعلم . والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد وآله أجمعين .