فخر الدين الرازي
254
تفسير الرازي
أشد وثالثها : أن هذه الأسورة من الفضة إنما تكون للوالدان الذين هم الخدم وأسورة الذهب للناس . السؤال الثاني : السوار إنما يليق بالنساء وهو عيب للرجال ، فكيف ذكر الله تعالى ذلك في معرض الترغيب ؟ الجواب : أهل الجنة جرد مرد شباب فلا يبعد أن يحلوا ذهباً وفضة وإن كانوا رجالاً ، وقيل : هذه الأسورة من الفضة والذهب إنما تكون لنساء أهل الجنة وللصبيان فقط ، ثم غلب في اللفظ جانب التذكير ، وفي الآية وجه آخر ، وهو أن آلة أكثر الأعمال هي اليد وتلك الأعمال والمجاهدات هي التي يتوسل بها إلى تحصيل المعارف الإلهية والأنوار الصمدية ، فتكون تلك الأعمال جارية مجرى الذهب والفضة التي يتوسل بهما إلى تحصيل المطالب ، فلما كانت تلك الأعمال صادرة من اليد كانت تلك الأعمال جارية مجرى سوار الذهب والفضة ، فسميت الأعمال والمجاهدات بسوار الذهب والفضة ، وعبر عن تلك الأنوار الفائضة عن الحضرة الصمدية بقوله : * ( وسقاهم ربهم شراباً طهوراً ) * وبالجملة فقوله : * ( وحلوا أساور من فضة ) * إشارة إلى قوله : * ( والذين جاهدوا فينا ) * وقوله : * ( وسقاهم ربهم شراباً طهوراً ) * إشارة إلى قوله : * ( لنهدينهم سبلنا ) * فهذا احتمال خطر بالبال ، والله أعلم بمراده . قوله تعالى : * ( وسقاهم ربهم شراباً طهوراً ) * الطهور فيه قولان : الأول : المبالغة في كونه طاهراً ، ثم فيه على هذا التفسير احتمالات أحدها : أنه لا يكون نجساً كخمر الدنيا وثانيها : المبالغة في البعد عن الأمور المستقذرة يعني ما مسته الأيدي الوضرة ، وما داسته الأقدام الدنسة وثالثها : أنها لا تؤول إلى النجاسة لأنها ترشح عرقاً من أبدانهم له ريح كريح المسك القول الثاني : في الطهور أنه المطهر ، وعلى هذا التفسير أيضاً في الآية احتمالان أحدهما : قال مقاتل : هو عين ماء على باب الجنة تنبع من ساق شجرة من شرب منها نزع الله ما كان في قلبه من غل وغش وحسد ، وما كان في جوفه من قذر وأذى وثانيهما : قال أبو قلابة : يؤتون الطعام والشراب فإذا كان في آخر ذلك أتوا بالشراب الطهور ، فيشربون فتطهر بذلك بطونهم ، ويفيض عرق من جلودهم مثل ريح المسك ، وعلى هذين الوجهين يكون الطهور ، مطهراً لأنه يطهر باطنهم عن الأخلاق الذميمة ، والأشياء المؤذية ، فإن قيل : قوله تعالى : * ( وسقاهم ربهم ) * هو عين ما ذكر تعالى قبل ذلك من أنهم يشربون من عين الكافور ، والزنجبيل ، والسلسبيل أو هذا نوع آخر ؟ قلنا : بل هذا نوع آخر ، ويدل عليه وجوه أحدها : دفع التكرار وثانيها : أنه تعالى أضاف هذا الشراب إلى نفسه ، فقال : * ( وسقاهم ربهم ) * وذلك يدل على فضل في هذا دون غيره وثالثها : ما روينا أنه تقدم إليهم الأطعمة والأشربة ، فإذا فرغوا منها أتوا بالشراب الطهور فيشربون ،