فخر الدين الرازي

251

تفسير الرازي

القائل : سلسبيلا جعلت علماً للعين ، كما قيل : تأبط شراً ، وسميت بذلك ، لأنه لا يشرب منها إلا من سأل إليها سبيلاً بالعمل الصالح . المسألة الثانية : في نصب عيناً وجهان أحدهما : أنه بدل من زنجبيلاً وثانيهما : أنه نصب على الاختصاص . المسألة الثالثة : سلسبيلاً صرف لأنه رأس آية ، فصار كقوله الظنونا والسبيلا ، وقد تقدم في هذه السورة بيان ذلك . واعلم أنه تعالى ذكر بعد ذلك من يكون خادماً في تلك المجالس . * ( وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَّنثُوراً ) * . فقال : * ( ويطوف عليهم ولدان مخلدون ) * وقد تقدم تفسير هذين الوصفين في سورة الواقعة والأقرب أن المراد به دوام كونهم على تلك الصورة التي لا يراد في الخدم أبلغ منها ، وذلك يتضمن دوام حياتهم وحسنهم ومواظبتهم على الخدمة الحسنة الموافقة ، قال الفراء : يقال مخلدون مسورون ويقال : مقرطون . وروى نفطويه عن ابن الأعرابي مخلدون محلون . والصفة الثالثة : قوله تعالى : * ( إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤاً منثوراً ) * وفي كيفية التشبيه وجوه أحدها : شبهوا في حسنهم وصفاء ألوانهم وانتشارهم في مجالسهم ومنازلهم عند اشتغالهم بأنواع الخدمة باللؤلؤ المنثور ، ولو كان صفاً لشبهوا باللؤلؤ المنظوم ، ألا ترى أنه تعالى قال : * ( ويطوف عليهم ) * فإذا كانوا يطوفون كانوا متناثرين وثانيها : أنهم شبهوا باللؤلؤ الرطب إذا انتثر من صدفه لأنه أحسن وأكثر ماء وثالثها : قال القاضي : هذا من التشبيه العجيب لأن اللؤلؤ إذا كان متفرقاً يكون أحسن في المنظر لوقوع شعاع بعضه على البعض فيكون مخالفاً للمجتمع منه . واعلم أنه تعالى لما ذكر تفصيل أحوال أهل الجنة ، أتبعه بما يدل على أن هناك أموراً أعلى وأعظم من هذا القدر المذكور فقال : * ( وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً ) * . وفيه مسائل : المسألة الأولى : رأيت هل له مفعول ؟ فيه قولان : الأول : قال الفراء : المعنى وإذا رأيت ما ثم وصلح إضمار ما كما قال : * ( لقد تقطع بينكم ) * يريد ما بينكم ، قال الزجاج : لا يجوز إضمار ما لأن ثم صلة وما موصولها ، ولا يجوز إسقاط الموصول وترك الصلة الثاني : أنه ليس له مفعول ظاهر ولا مقدر والغرض منه أن يشبع ويعم ، كأنه قيل : وإذا وجدت الرؤية ثم ، ومعناه أن بصر الرائي أينما وقع لم يتعلق إدراكه إلا بنعيم كثير وملك كبير ، وثم في موضع النصب على الظرف يعني في الجنة . المسألة الثانية : اعلم أن اللذات الدنيوية محصورة في أمور ثلاثة . قضاء الشهوة ، وإمضاء