فخر الدين الرازي

248

تفسير الرازي

والثاني : هو المسكن فوصفه بقوله : * ( لا يرون فيها شمساً ولا زمهريراً ) * وفيه وجهان أحدهما : أن هواءها معتدل في الحر والبرد والثاني : أن الزمهرير هو القمر في لغة طيء هكذا رواه ثعلب وأنشد : وليلة ظلامها قد اعتكر * قطعتها والزمهرير ما زهر والمعنى أن الجنة ضياء فلا يحتاج فيها إلى شمس وقمر . * ( وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً ) * . والثالث : كونه بستاناً نزهاً ، فوصفه الله تعالى بقوله : * ( ودانية عليهم ظلالها ) * وفي الآية سؤالان الأول : ما السبب في نصب * ( ودانية ) * ؟ الجواب : ذكر الأخفش والكسائي والفراء والزجاج فيه وجهين أحدهما : الحال بالعطف على قوله : * ( متكئين ) * كما تقول في الدار : عبد الله متكئاً ومرسلة عليه الحجال ، لأنه حيث قال : عليهم رجع إلى ذكرهم والثاني : الحال بالعطف على محل : * ( يرون فيها شمساً ولا زمهريراً ) * ( الإنسان : 13 ) والتقدير غير رائين فيها شمساً ولا زمهريراً * ( ودانية عليهم ظلالها ) * ودخلت الواو للدلالة على أن الأمرين يجتمعان لهم ، كأنه قيل : وجزاهم جنة جامعين فيها بين البعد عن الحر والبرد ، ودنو الظلال عليهم والثالث : أن يكون دانية نعتاً للجنة ، والمعنى : وجزاهم جنة دانية ، وعلى هذا الجواب تكون دانية صفة لموصوف محذوف ، كأنه قيل : وجزاهم بما صبروا جنة وحريراً ، وجنة أخرى دانية عليهم ظلالها ، وذلك لأنهم وعدوا جنتين ، وذلك لأنهم خافوا بدليل قوله : * ( إنا نخاف من ربنا ) * ( الإنسان : 10 ) وكل من خاف فله جنتان ، بدليل قوله : * ( ولمن خاف مقام ربه جنتان ) * ( الرحمن : 46 ) وقرئ : * ( ودانية ) * بالرفع على أن * ( ظلالها ) * مبتدأ * ( ودانية ) * خبر ، والجملة في موضع الحال ، والمعنى : * ( لا يرون فيها شمساً ولا زمهريراً ) * ( الإنسان : 13 ) والحال أن ظلالها دانية عليهم . السؤال الثاني : الظل إنما يوجد حيث توجد الشمس ، فإن كان لا شمس في الجنة فكيف يحصل الظل هناك ؟ والجواب : أن المراد أن أشجار الجنة تكون بحيث لو كان هناك شمس لكانت تلك الأشجار مظللة منها . قوله تعالى : * ( وذللت قطوفها تذليلا ) * ذكروا في ذللت وجهين الأول : قال ابن قتيبة : ذللت أدنيت منهم من قولهم : حائط ذليل إذا كان قصير السمك والثاني : ظللت أي جعلت منقادة ولا تمتنع على قطافها كيف شاءوا . قال البراء بن عازب : ذللت لهم فهم يتناولون منها كيف شاءوا ، فمن أكل قائماً لم يؤذه ومن أكل جالساً لم يؤذه ومن أكل مضطجعاً لم يؤذه . واعلم أنه تعالى لما وصف طعامهم ولباسهم ومسكنهم وصف بعد ذلك شرابهم وقدم عليه