فخر الدين الرازي
234
تفسير الرازي
أن يترك سدى ) * ( القيامة : 36 ) ونظيره قوله : * ( إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى ) * ( طه : 15 ) وقوله : * ( أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار ) * ( ص : 28 ) وتقريره أن إعطاء القدرة والآلة والعقل بدون التكليف والأمر بالطاعة والنهي عن المفاسد يقتضي كونه تعالى راضياً بقبائح الأفعال ، وذلك لا يليق بحكمته ، فإذاً لا بد من التكليف والتكليف لا يحسن ولا يليق بالكريم الرحيم إلا إذا كان هناك دار الثواب والبعث والقيامة . الدليل الثاني : على صحة القول بالحشر الاستدلال بالخلقة الأولى على الإعادة ، وهو المراد من قوله تعالى . * ( أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِىٍّ يُمْنَى ) * . وفيه مسألتان : المسألة الأولى : النطفة هي الماء القليل وجمعها نطاف ونطف ، يقول : ألم يك ماء قليلاً في صلب الرجل وترائب المرأة ؟ وقوله : * ( من مني يمنى ) * أي يصب في الرحم ، وذكرنا الكلام في يمنى عند قوله : * ( من نطفة إذا تمنى ) * ( النجم : 46 ) وقوله : * ( أفرأيتم ما تمنون ) * ( الواقعة : 58 ) فإن قيل : ما الفائدة في يمنى في قوله : * ( من مني يمنى ) * ؟ قلنا : فيه إشارة إلى حقارة حاله ، كأنه قيل : إنه مخلوق من المني الذي جرى على مخرج النجاسة ، فلا يليق بمثل هذا الشيء أن يتمرد عن طاعة الله تعالى إلا أنه عبر عن هذا المعنى ، على سبيل الرمز كما في قوله تعالى في عيسى ومريم : * ( كانا يأكلان الطعام ) * ( المائدة : 75 ) والمراد منه قضاء الحاجة . المسألة الثانية : في يمنى في هذه السورة قراءتان التاء والياء ، فالتاء للنطفة ، على تقدير ألم يك نطفة تمنى من المني ، والياء للمني من مني يمنى ، أي يقدر خلق الإنسان منه . * ( ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى ) * . قوله تعالى : * ( ثم كان علقة ) * أي الإنسان كان علقة بعد النطفة . أما قوله تعالى : * ( فخلق فسوى ) * ففيه وجهان الأول : فخلق فقدر فسوى فعدل الثاني : فخلق ، أي فنفخ فيه الروح ، فسوى فكمل أعضاءه ، وهو قول ابن عباس ومقاتل . * ( فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالاُْنثَى * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِىَ الْمَوْتَى ) * . ثم قال تعالى : * ( فجعل منه ) * أي من الإنسان * ( الزوجين ) * يعني الصنفين . ثم فسرهما فقال : * ( الذكر والأنثى * أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى ) * والمعنى أليس ذلك الذي أنشأ هذه الأشياء بقادر على الإعادة ، روي أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأها قال : سبحانك بلى والحمد لله رب العالمين . وصلاته على سيدنا محمد سيد المرسلين وآله وصحبه وسلم .