فخر الدين الرازي

23

تفسير الرازي

بِأَنَّهُ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُواْ أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ وَّاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِىٌّ حَمِيدٌ * زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَن لَّن يُبْعَثُواْ قُلْ بَلَى وَرَبِّى لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ) * . اعلم أن قوله : * ( ألم يأتكم نبؤا الذين كفروا ) * خطاب لكفار مكة وذلك إشارة إلى الويل الذي ذاقوه في الدنيا وإلى ما أعد لهم من العذاب في الآخرة . فقوله : * ( فذاقوا وبال أمرهم ) * أي شدة أمرهم مثل قوله : * ( ذق إنك أنت العزيز الكريم ) * وقوله : * ( ذلك بأنه ) * أي بأن الشأن والحديث أنكروا أن يكون الرسول بشراً . ولم ينكروا أن يكون معبودهم حجراً فكفروا وتولوا ، وكفروا بالرسل وأعرضوا واستغنى الله عن طاعتهم وعبادتهم من الأزل ، وقوله تعالى : * ( والله غني حميد ) * من جملة ما سبق ، والحميد بمعنى المحمود أي المستحق للحمد بذاته ويكون بمعنى الحامد ، وقوله تعالى : * ( زعم الذين كفروا ) * قال في " الكشاف " : الزعيم ادعاء العلم ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : " زعموا مطية الكذب " وعن شريح لكل شيء كنية وكنية الكذب زعموا ، ويتعدى إلى مفعولين ، تعدى ، العلم ، قال الشاعر : ولم أزعمك عن ذلك معزولا ( c ) والذين كفروا هم أهل مكة * ( بلى ) * إثبات لما بعد أن وهو البعث وقيل : قوله تعالى : * ( قل بلى وربي ) * يحتمل أن يكون تعليماً للرسول صلى الله عليه وسلم ، أي يعلمه القسم تأكيداً لما كان يخبر عن البعث وكذلك جميع القسم في القرآن وقوله تعالى : * ( وذلك على الله يسير ) * أي لا يصرفه صارف ، وقيل : إن أمر البعث على الله يسير ، لأنهم أنكروا البعث بعد أن صاروا تراباً ، فأخبر أن إعادتهم أهون في العقول من إنشائهم ، وفي الآية مباحث . الأول : قوله : * ( فكفروا ) * يتضمن قوله : * ( وتولوا ) * فما الحاجة إلى ذكره ؟ نقول : إنهم كفروا وقالوا : * ( أبشر يهدوننا ) * وهذا في معنى الإنكار والإعراض بالكلية ، وذلك هو التولي ، فكأنهم كفروا وقالوا قولاً يدل على التولي ، ولهذا قال : * ( فكفروا وتولوا ) * . الثاني : قوله : * ( وتولوا واستغنى الله ) * يوهم وجود التولي والاستغناء معاً ، والله تعالى لم يزل غنياً ، قال في " الكشاف " : معناه أنه ظهر استغناء الله حيث لم يلجئهم إلى الإيمان ، ولم يضطرهم إليه مع قدرته على ذلك . الثالث : كيف يفيد القسم في إخباره عن البعث وهم قد أنكروا رسالته . نقول : إنهم