فخر الدين الرازي
19
تفسير الرازي
قوله تعالى : * ( فأصدق وأكن من الصالحين ) * قال ابن عباس هذا دليل على أن القوم لم يكونوا مؤمنين إذ المؤمن لا يسأل الرجعة . وقال الضحاك : لا ينزل بأحد لم يحج ولم يؤد الزكاة الموت إلا وسأل الرجعة وقرأ هذه الآية ، وقال صاحب " الكشاف " : من قبل أن يعاين ما ييأس معه من الإمهال ويضيق به الخناق ويتعذر عليه الإنفاق ، ويفوت وقت القبول فيتحسر على المنع ويعض أنامله على فقد ما كان متمكناً منه ، وعن ابن عباس تصدقوا قبل أن ينزل عليكم سلطان الموت فلا تقبل توبة ولا ينفع عمل وقوله : * ( وأكن من الصالحين ) * قال ابن عباس : أحج وقرئ فأكون وهو على لفظ فأصدق وأكون ، قال المبرد : وأكون على ما قبله لأن قوله : * ( فأصدق ) * جواب للاستفهام الذي فيه التمني والجزم على موضع الفاء ، وقرأ أبي فأتصدق على الأصل وأكن عطفاً على موضع فأصدق : وأنشد سيبويه أبياتاً كثيرة في الحمل على الموضع منها : ( معاوي إننا بشر فأسجح ) * فلسنا بالجبال ولا الحديدا فنصب الحديد عطفاً على المحل والباء في قوله : بالجبال ، للتأكيد لا لمعنى مستقبل يجوز حذفه وعكسه قول ابن أبي سلمى : بدا لي أني لست مدرك ماضي * ولا سابق شيئاً إذا كان جاثياً توهم أنه قال بمدرك فعطف عليه قوله سابق ، عطفاً على المفهوم ، وأما قراءة أبي عمرو * ( وأكون ) * فإنه حمله على اللفظ دون المعنى ، ثم أخبر تعالى أنه لا يؤخر من انقضت مدته وحضر أجله فقال : * ( ولن يؤخر الله نفساً ) * يعني عن الموت إذا جاء أجلها ، قال في " الكشاف " : هذا نفي للتأخير على وجه التأكيد الذي معناه منافاة المنفي ، وبالجملة فقوله : * ( لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم ) * تنبيه على الذكر قبل الموت : * ( وأنفقوا مما رزقناكم ) * تنبيه على الشكر لذلك وقوله تعالى : * ( والله خبير بما تعملون ) * أي لو رد إلى الدنيا ما زكى ولا حج ، ويكون هذا كقوله : * ( ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ) * ( الأنعام : 28 ) والمفسرون على أن هذا خطاب جامع لكل عمل خيراً أو شراً وقرأ عاصم يعملون بالياء على قوله : * ( ولن يؤخر الله نفساً ) * لأن النفس وإن كان واحداً في اللفظ ، فالمراد به الكثير فحمل على المعنى والله أعلم وصلاته وسلامه على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين .