فخر الدين الرازي
177
تفسير الرازي
أقول : يجب أن نحمل ذلك على أنه إنما ذكر ذلك تفسيراً للفظ القرآن لا على أنه جعله نفس القرآن ، إذ لو ذهبنا إلى ما قاله ابن جني لارتفع الاعتماد عن ألفاظ القرآن ، ولجوزنا أن كل أحد عبر عن المعنى بلفظ رآه مطابقاً لذلك المعنى ، ثم ربما أصاب في ذلك الاعتقاد ، وربما أخطأ وهذا يجر إلى الطعن في القرآن ، فثبت أنه حمل ذلك على ما ذكرناه . قوله تعالى * ( إِنَّ لَكَ فِى النَّهَارِ سَبْحَاً طَوِيلاً ) * . وفيه مسألتان : المسألة الأولى : قال المبرد : سبحاً أي تقلباً فيما يجب ولهذا سمي السابح سابحاً لتقلبه بيديه ورجليه ، ثم في كيفية المعنى وجهان الأول : إن لك في النهار تصرفاً وتقلباً في مهماتك فلا تتفرغ لخدمة الله إلا بالليل ، فلهذا السبب أمرتك بالصلاة في الليل الثاني : قال الزجاج : أي إن فاتك من الليل شيء من النوم والراحة فلك في النهار فراغه فاصرفه إليه . المسألة الثانية : قرىء * ( سبخاً ) * بالخاء المنقطة من فوق ، وهو استعارة من سبخ الصوف وهو نفشه ونشر أجزائه ، فإن القلب في النهار يتفرغ بسبب الشواغل ، وتختلف همومه بسبب الموجبات المختلفة ، واعلم أنه تعالى أمر رسوله أولاً بقيام الليل ، ثم ذكر السبب في أنه لم خص الليل بذلك دون النهار ، ثم بين أن أشرف الأعمال المأمور بها عند قيام الليل ما هو . * ( وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً ) * . وهذه الآية تدل على أنه تعالى أمر بشيئين أحدهما : الذكر ، والثاني : التبتل ، أما الذكر فاعلم أنه إنما قال : * ( واذكر اسم ربك ) * ههنا وقال في آية أخرى : * ( واذكر ربك في نفسك تضرعاً وخفية ) * ( الأعراف : 205 ) لأنه لا بد في أول الأمر من ذكر الاسم باللسان مدة ثم يزول الاسم ويبقى المسمى ، فالدرجة الأولى هي المراد بقوله ههنا : * ( واذكر اسم ربك ) * والمرتبة الثانية هي المراد بقوله في السورة الأخرى : * ( واذكر ربك في نفسك ) * وإنما تكون مشتغلاً بذكر الرب ، إذا كنت في مقام مطالعة ربوبيته ، وربوبيته عبارة عن أنواع تربيته لك وإحسانه إليك ، فما دمت في هذا المقام تكون مشغول القلب بمطالعة آلائه ونعمائه فلا تكون مستغرق القلب به ، وحينئذ يزداد الترقي فتصير مشتغلاً بذكر إلهيته ، وإليه الإشارة بقوله : * ( فاذكروا الله كذكركم آباءكم ) * ( البقرة : 200 ) وفي هذا المقام يكون الإنسان في مقام الهيبة والخشية ، لأن الإلهية إشارة إلى القهارية والعزة والعلو والصمدية ، ولا يزال العبد يرقى في هذا المقام متردداً في مقامات الجلال والتنزيه والتقديس إلى أن ينتقل منها إلى مقام الهوية الأحدية ، التي كلت العبارات عن شرحها ، وتقاصرت الإشارات عن الانتهاء إليها ، وهناك الانتهاء إلى الواحد الحق ، ثم يقف لأنه ليس هناك نظير في الصفات ، حتى يحصل الانتقال من صفة إلى صفة ، ولا تكون الهوية مركبة حتى