فخر الدين الرازي
173
تفسير الرازي
قليلاً ) * هو الثلث ، فإذاً قوله : * ( قم الليل إلا قليلاً ) * معناه قم ثلثي الليل ثم قال : * ( نصفه ) * والمعنى أو قم نصفه ، كما تقول : جالس الحسن أو ابن سيرين ، أي جالس ذا أو ذا أيهما شئت ، فتحذف واو العطف فتقدير الآية : قم الثلثين أو قم النصف أو انقص من النصف أو زد عليه ، فعلى هذا يكون الثلثان أقصى الزيادة ، ويكون الثلث أقصى النقصان ، فيكون الواجب هو الثلث ، والزائد عليه يكون مندوباً ، فإن قيل : فعلى هذا التأويل يلزمكم أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد ترك الواجب ، لأنه تعالى قال : * ( إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه ) * فمن قرأ نصفه وثلثه بالخفض كان المعنى أنك تقوم أقل من الثلثين ، وأقل من النصف ، وأقل من الثلث ، فإذا كان الثلث واجباً كان عليه السلام تاركاً للواجب ، قلنا : إنهم كانوا يقدرون الثلث بالاجتهاد ، فربما أخطأوا في ذلك الاجتهاد ونقصوا منه شيئاً قليلاً فيكون ذلك أدنى من ثلث الليل المعلوم بتحديد الأجزاء عند الله ، ولذلك قال تعالى لهم : * ( علم ألن تحصوه ) * ( المزمل : 20 ) ، الوجه الثاني : أن يكون قوله : * ( نصفه ) * تفسيراً لقوله : * ( قليلاً ) * وهذا التفسير جائز لوجهين الأول : أن نصف الشيء قليل بالنسبة إلى كله والثاني : أن الواجب إذا كان هو النصف لم يخرج صاحبه عن عهدة ذلك التكليف بيقين إلا بزيادة شيء قليل عليه فيصير في الحقيقة نصفاً وشيئاً ، فيكون الباقي بعد ذلك أقل منه ، وإذا ثبت هذا فنقول : * ( قم الليل إلا قليلاً ) * معناه قم الليل إلا نصفه ، فيكون الحاصل : قم نصف الليل ، ثم قال : * ( أو انقص منه قليلاً ) * يعني أو انقص من هذا النصف نصفه حتى يبقى الربع ، ثم قال : * ( أو زد عليه ) * يعني أو زد على هذا النصف نصفه حتى يصير المجموع ثلاثة أرباعه ، وحينئذ يرجع حاصل الآية إلى أنه تعالى خيره بين أن يقوم تمام النصف ، وبين أن يقوم ربع الليل ، وبين أن يقوم ثلاثة أرباعه ، وعلى هذا التقدير يكون الواجب الذي لا بد منه هو قيام الربع ، والزائد عليه يكون من المندوبات والنوافل ، وعلى هذا التأويل يزول الإشكال الذي ذكرتم بالكلية لأن قوله : * ( إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه ) * ( المزمل : 20 ) يدل على أنه عليه الصلاة والسلام لم يقم ثلثي الليل ، ولا نصفه ولا ثلثه لأن الواجب لما كان هو الربع فقط لم يلزم من ترك قيام الثلث ترك شيء من الواجبات ، فزال السؤال المذكور ، والله أعلم . قوله تعالى : * ( ورتل القرآن ترتيلاً ) * قال الزجاج : رتل القرآن ترتيلاً ، بينه تبييناً ، والتبيين لا يتم بأن يعجل في القرآن ، إنما يتم بأن يتبين جميع الحروف ، ويوفي حقها من الإشباع ، قال المبرد : أصله من قولهم : ثغر رتل إذا كان بين الثنايا افتراق ليس بالكثير ، وقال الليث : الترتيل تنسيق الشيء ، وثغر رتل ، حسن التنضيد ، ورتلت الكلام ترتيلاً ، إذا تمهلت فيه وأحسنت تأليفه ، وقوله تعالى : * ( ترتيلاً ) * تأكيد في إيجاب الأمر به ، وأنه مما لا بد منه للقارئ .